مجمع البحوث الاسلامية

647

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

على التّجارة وعلى الجماهير . فالتّجارة وسيط نافع بين الصّناعة والمستهلك ؛ تقوم بترويج البضاعة وتسويقها ؛ ومن ثمّ تحسينها وتيسير الحصول عليها معا ، وهي خدمة للطّرفين ، وانتفاع عن طريق هذه الخدمة ، انتفاع يعتمد كذلك على المهارة والجهد ، ويتعرّض في الوقت ذاته للرّبح والخسارة . والرّبا على الضّدّ من هذا كلّه ، يثقل الصّناعة بالفوائد الرّبويّة الّتي تضاف إلى أصل التّكاليف ، ويثقل التّجارة والمستهلك بأداء هذه الفوائد الّتي يفرضها على الصّناعة . وهو في الوقت ذاته - كما تجلّى ذلك في النّظام الرّأسمالي عندما بلغ أوجه - يوجّه الصّناعة والاستثمار كلّه وجهة لا مراعاة فيها لصالح الصّناعة ، ولا لصالح الجماهير المستهلكة ، وإنّما الهدف الأوّل فيها زيادة الرّبح للوفاء بفوائد القروض الصّناعيّة ، ولو استهلكت الجماهير موادّ التّرف ولم تجد الضروريّات ! ولو كان الاستثمار في أحطّ المشروعات المثيرة للغرائز ، المحطّمة للكيان الإنسانيّ . وفوق كلّ شيء ، هذا الرّبح الدّائم لرأس المال ؛ وعدم مشاركته في نوبات الخسارة - كالتّجارة - وقلّة اعتماده على الجهد البشريّ الّذي يبذل حقيقة في التّجارة ، إلى آخر قائمة الاتّهام السّوداء الّتي تحيط بعنق النّظام الرّبويّ ؛ وتقتضي الحكم عليه بالإعدام ؛ كما حكم عليه الإسلام . فهذه الملابسة بين الرّبا والتّجارة ، هي الّتي لعلّها جعلت هذا الاستدراك ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ يجيء عقيب النّهي عن أكل الأموال بالباطل ، وإن كان استثناء منقطعا كما يقول النّحويّون . ( 2 : 639 ) الطّباطبائيّ : في الآية شبه اتّصال بما سبقتها ؛ حيث إنّها تتضمّن النّهي عن أكل المال بالباطل ، وكانت الآيات السّابقة متضمّنة للنّهي عن أكل مهور النّساء بالعضل والتّعدّي ، ففي الآية انتقال من الخصوص إلى العموم . [ إلى أن قال : ] وفي تقييد قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بقوله : بَيْنَكُمْ الدّالّ على نوع تجمّع منهم على المال ، ووقوعه في وسطهم إشعار أو دلالة بكون الأكل المنهيّ عنه بنحو إدارته فيما بينهم ، ونقله من واحد إلى آخر بالتّعاور والتّداول ، فتفيد الجملة أعني قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بعد تقييدها بقوله : بِالْباطِلِ النّهي عن المعاملات النّاقلة الّتي لا تسوق المجتمع إلى سعادته ونجاحه ، بل تضرّها وتجرّها إلى الفساد والهلاك ، وهي المعاملات الباطلة في نظر الدّين كالرّبا والقمار ، والبيوع الغرريّة كالبيع بالحصاة والنّواة ، وما أشبه ذلك . وعلى هذا فالاستثناء الواقع في قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ، استثناء منقطع ، جيء به لدفع الدّخل ، فإنّه لمّا نهى عن أكل المال بالباطل - ونوع المعاملات الدّائرة في المجتمع الفاسد الّتي يتحقّق بها النّقل والانتقال المالي كالرّبويّات والغرريّات والقمار وأضرابها باطلة بنظر الشّرع - كان من الجائز أن يتوهّم أنّ ذلك يوجب انهدام أركان المجتمع وتلاشي أجزائها ، وفيه هلاك النّاس .