مجمع البحوث الاسلامية
648
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فأجيب عن ذلك بذكر نوع معاملة في وسعها أن تنظّم شتات المجتمع ، وتقيم صلبه ، وتحفظه على استقامته ، وهي التّجارة عن تراض ، ومعاملة صحيحة رافعة لحاجة المجتمع ، وذلك نظير قوله تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الشّعراء : 88 ، 89 ، فإنّه لمّا نفى النّفع عن المال والبنين يوم القيامة أمكن أن يتوهّم أن لا نجاح يومئذ ولا فلاح ، فإنّ معظم ما ينتفع به الإنسان إنّما هو المال والبنون ، فإذا سقطا عن التّأثير لم يبق إلّا اليأس والخيبة ؛ فأجيب أنّ هناك أمرا آخر نافعا كلّ النّفع وإن لم يكن من جنس المال والبنين وهو القلب السّليم . وهذا الّذي ذكرناه من انقطاع الاستثناء هو الأوفق بسياق الآية ، وكون قوله : ( بالباطل ) قيدا أصليّا في الكلام ، نظير قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ البقرة : 188 ، وعلى هذا لا تخصّص الآية بسائر المعاملات الصّحيحة والأمور المشروعة غير التّجارة ، ممّا يوجب التّملّك ويبيح التّصرّف في المال كالهبة والصّلح والجعالة وكالإمهار والإرث ونحوها . وربّما يقال : إنّ الاستثناء متّصل ، وقوله : ( بالباطل ) قيد توضيحيّ جيء به لبيان حال المستثنى منه بعد خروج المستثنى وتعلّق النّهي ، والتّقدير : لا تأكلوا أموالكم بينكم إلّا أن تكون تجارة عن تراض منكم . فإنّكم إن أكلتموها من غير طريق التّجارة كان أكلا بالباطل منهيّا عنه ، كقولك : لا تضرب اليتيم ظلما إلّا تأديبا . وهذا النّحو من الاستعمال وإن كان جائزا معروفا عند أهل اللّسان ، إلّا أنّك قد عرفت أنّ الأوفق لسياق الآية هو انقطاع الاستثناء . [ إلى أن قال : ] ومن غريب التّفسير ما رام به بعضهم توجيه اتّصال الاستثناء مع أخذ قوله : ( بالباطل ) قيدا احترازيّا ، فقال ما حاصله : « إنّ المراد ( بالباطل ) أكل المال بغير عوض يعادله ، فالجملة المستثنى منها تدلّ على تحريم أخذ المال من الغير بالباطل ومن غير عوض ، ثمّ استثنى من ذلك التّجارة مع كون غالب مصاديقها غير خالية عن الباطل ، فإنّ تقدير العوض بالقسطاس المستقيم بحيث يعادل المعوّض عنه في القيمة حقيقة متعسّر جدّا ، لو لم يكن متعذّرا . فالمراد بالاستثناء التّسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر ، وما يكون سبب التّعاوض فيه براعة التّاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول ، من غير غشّ ولا خداع ولا تغرير كما يقع ذلك كثيرا ، إلى غير ذلك من الأسباب . وكلّ ذلك من باطل التّجارة أباحته الشّريعة مسامحة وتسهيلا لأهلها ، ولو لم يجوّز ذلك في الدّين بالاستثناء لما رغب أحد من أهله في التّجارة ، واختلّ نظام المجتمع الدّينيّ » . انتهى ملخّصا . وفساده ظاهر ممّا قدّمناه ، فإنّ « الباطل » على ما يعرفه أهل اللّغة : ما لا يترتّب عليه أثره المطلوب منه ، وأثر البيع والتّجارة : تبدّل المالين ، وتغيّر محلّ الملكين ، لرفع حاجة كلّ واحد من البيّعين إلى مال الآخر ، بأن يحصل كلّ منهما على ما يرغب فيه ، وينال إربه بالمعادلة ؛ وذلك كما يحصل بالتّعادل في القيمتين ، كذلك يحصل