مجمع البحوث الاسلامية

511

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وعندنا أنّ الضّمير في ( علوا ) تابع للضّمير في ( يتبّروا ) الرّاجع إلى القوم الغالبين ، لتوالي الضّميرين واختلاف مرجعهما بعيد عن السّياق . هذا من ناحية اللّفظ ، أمّا من ناحية المعنى فالعلوّ يناسب حال القوم الغالبين دون القوم المغلوبين ، ولو أريد وصف حالهم لاقتضى القول : « ما بنوا » لا « ما علوا » . على أنّ « علوا » فعل لازم ، وصف للقوم أنفسهم لا لما بنوه ، وكون الفعل اللّازم بمعنى المتعدّي - أي « ما أعلوه » - خلاف ظاهر اللّفظ ، ولا شاهد عليه ، فالوجه الثّاني مرجوح ، بل مدفوع . وبقي التّرجيح بين الوجوه الثّلاثة الأخرى ، والضّمير فيها جميعا راجع إلى القوم الغالبين ، فهل ( ما ) موصولة ، مفعول للفعل ( يتبّروا ) - أي ليدمّروا ما علو وغلبوا عليه ، فيحتاج إلى تقدير « عليه » - أو ليدمّروا وقت علوّهم أو حال كونهم عالين ، فلا يحتاج إلى تقدير « عليه » ؟ ونحن نفضّل هذا ، لكن بمعنى « ما دام علوّهم » ، وله نظائر في الاستعمال ، فتكون ( ما ) مصدريّة ، مثل : « ما دام » . ولعلّه مراد الطّوسيّ ؛ حيث قال : « مدّة علوّهم ، وكذا مراد الميبديّ ؛ حيث قال : « ما استطاعوا وملكوا » . ثمّ بدا لنا وجه آخر في ( ما علوا ) ، ولعلّه المتعيّن من خلال الآيات المتقدّمة عليه : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما . . . فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً الإسراء : 4 - 7 ، فقوله : ( ما عَلَوْا ) إشارة إلى ( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا ) ، أي يدمّروا ويقطعوا علوّهم واستكبارهم الّذي ارتكبوه وحصّلوه مع الإفساد ، فتكون ( ما ) مصدريّة ، والضّمير يرجع إلى ( بني إسرائيل ) دون الّذين غلبوهم ، والفعل ( علوا ) لازم لا يحتاج إلى تقدير « عليه » . رابعا : فسّر الطّباطبائيّ قوله : لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا بإهلاك النّفوس وقتلها ، وهدم الأبنية وحرق الأموال ، وخصّه غيره بهدم الأبنية ، وهو الظّاهر ، وإن كان يستلزم عادة إهلاك النّفوس ، إلّا أنّه ليس تفسيرا للآية ، والشّاهد له ما تقدّم في تفسير ( ما علوا ) . وهذا عكس الآية ( 1 ) : وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً ، فإنّها صريحة في إهلاك النّفوس واستئصالها ، ويستلزمه هدم الأبنية ، هذا مع استيعاب اللّغة للمعنيين : الإهلاك والتّدمير ، إلّا أنّه لكلّ منهما مقام . خامسا : أنّ ( هؤلاء ) في ( 3 ) : إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ ، اسم ( انّ ) ، أي عبدة الأصنام ، و ( متبّر ) اسم مفعول ، خبر ( انّ ) ، و ( ما ) موصولة ، نائب فاعل له ، و ( هم فيه ) أي الأمر الّذين هم واقعون فيه ، وفاعلون له ، وهو الأصنام وعبادتها ، والمعنى أنّ أصنامكم تكسّر أو عبادتهم لها تهدم . هذا ما يقتضيه السّياق ، ولكنّهم اختلفوا فيها اختلافا يسيرا : 1 - مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ خبر مقدّم ومبتدأ مؤخّر ، أي ما هم فيه متبّر ، قال الزّمخشريّ : تقديم ( هؤلاء ) و ( متبّر ) وسم لعبدة الأصنام بأنّهم المعرّضون للتّبار حقيقة ، تحذيرا لهم . 2 - عبدة الأصنام طريقتهم هالكة وأعمالهم باطلة ، قاله الطّباطبائيّ ، وهذا قريب ممّا ذكرنا .