مجمع البحوث الاسلامية

500

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

متقاربة ، وليست كذلك . وعندنا أنّ منشأ الخلاف - بعد الوفاق على نزولها في أبي لهب - هو الاختلاف في شأن النّزول : أ - فمن قال : إنّ النّبيّ لمّا جمع أقرباءه - وفيهم عمّه أبو لهب - ودعاهم إلى الإسلام ، قال له أبو لهب : « تبّا لك » ، أو « تبّا لك وتعسا » ، فنزلت جوابا له بلفظه ، فهو من قبيل وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ آل عمران : 54 ، و إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ البقرة : 14 ، 15 . فمعنى التّباب فيها هو ما أراده أبو لهب بقوله : « تبّا » ، وهو هلاك النّبيّ ، ويؤيّده قوله : « وتعسا » ، أو خيبته في نيل أمنيّته ، وهي انتشار دعوته ، وعليه فلا مجال للخسران . ب - ومن قال : إنّ أبا لهب كان يتوقّع أن يفضّله الإسلام على غيره ، فيحتفظ بمقامه وجاهه بين النّاس ورفضه النّبيّ ، فقال : « تبّا لهذا من دين » ، أي أنّ هذا الدّين خسارة لي ؛ حيث يسلب منّي ما أمتاز به ، ويجعلني وهؤلاء سواء . فلم يكن كلامه دعاء على النّبيّ ، بل كان هتافا ضدّ الإسلام ، ولهذا كرّره كما هو المعمول في الهتافات ، أي بئس الدّين الإسلام ، بئس . وعليه فاللّه يقابله بهتاف مثله مع التّكرار ، بأنّ الخسران لأبي لهب فيما كسبته يداه من المال والجاه ، والخسران له في نفسه . فليست الآية خبرا عن مستقبله ولا دعاء عليه ، وإنّما هي هتاف بخسرانه . وهذا الوجه لم يصرّحوا به فيما ذكروه من الوجوه ، مع أنّه يكاد يكون أقربها إلى الصّواب . ج - وإليه يرجع القول بأنّ أبا لهب - وكان كبير القوم - كان يقول للّذين أتوه وسألوه عن النّبيّ : إنّه كذّاب ساحر ، فيرجعون عنه ، حتّى أتاه وفد فأعاد عليهم كلامه ، فقالوا : لا ننصرف حتّى نسمع كلام محمّد ، فقال لهم : إنّا لم نزل نعالجه من الجنون ، فتبّا له وتعسا . فهذا أشبه بالهتاف من الدّعاء عليه أو الخبر عنه . د - ومن قال : إنّ النّبيّ لمّا دعا بني عبد المطّلب فاجتمعوا عنده ، قال لهم : إنّ اللّه بعثني إلى النّاس عامّة وإليكم خاصّة ، وأن أعرض عليكم ما إن قبلتموه ملكتم به العرب والعجم . قالوا : وما ذاك يا محمّد ؟ قال : أن تقولوا : لا إله إلّا اللّه وإنّي رسول اللّه . فقال أبو لهب : تبّا لهذا من دين ، أي أنّ هذا الدّين مخفق خائب ، لا ينجح في القضاء على الآلهة ، ولا ينال به بنو عبد المطّلب ملك العرب والعجم . فهذا أقرب إلى الخبر عن مستقبل هذا الدّين بالخيبة ، عمّا وعدهم النّبيّ ، فنزلت الآية تكذيبا لأبي لهب بأنّه هو الخائب بنفسه وبما كسبت يداه ، لا هذا الدّين ، فجابهه اللّه بأشدّ ممّا قاله ؛ حيث عمّم خيبته وإخفاقه على نفسه ، وما كسبته يداه . ه - ومن قال : إنّ أبا لهب أخذ حجرا ليرمي به رسول اللّه ؛ إذ إنّه كان حين يصرّ الوفد على لقاء النّبيّ يضرب بيده على كتف الوافد ، ويقول له : انصرف راشدا فإنّه مجنون ، فنزلت إعلاما بأنّه خاسر في ما أراد من صرف النّاس عنه ، وخسرت يداه في ما كسب بهما ، فهذا خبر عنه ، أو دعاء عليه ، مجابهة لما عمله لا لما قاله . و - إلى هذا يذهب من قال بأنّ « اليد » بمعنى النّعمة - وهو أبعد الوجوه - لأنّ أبا لهب كان يحسن إلى النّبيّ وإلى قريش ، وكان يقول : إن كان الأمر لمحمّد فلي عنده يد ،