مجمع البحوث الاسلامية

480

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يأخذوا لي تقدمة . من كلّ من يحثّه قلبه يأخذون تقدمتي . وهذه هي التّقدمة الّتي يأخذونها منهم : ذهب وفضّة ونحاس وأسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرّة وجلود تخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرّداء والصّدرة ، فيصنعون لي مقدسا لأسكن في وسطهم بحسب جميع ما أنا أريك عن مثال المسكن ومثال جميع آنيته ، هكذا تصنعون : فيصنعون تابوتا من خشب السّنط طوله ذراعان ونصف ، وعرضه ذراع ونصف ، وارتفاعه ذراع ونصف . وتغشيه بذهب نقيّ ، من داخل وخارج تغشيه ، وتصنع عليه إكليلا من ذهب حواليه . وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع ، على جانبه الواحد حلقتان ، وعلى جانبه الثّاني حلقتان . وتصنع العصوين من خشب السّنط وتغشيهما بذهب ، وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التّابوت ليحمل التّابوت بهما . تبقى العصوان في حلقة التّابوت لا تنزعان منها . وتضع في التّابوت الشّهادة الّتي أعطيك . وتصنع غطاء من ذهب نقيّ طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف . وتصنع كروبين « 1 » من ذهب صنعة خراطة تضعهما على طرفي الغطاء . فاصنع كروبا واحدا على الطّرف من هنا ، وكروبا آخر على الطّرف من هناك ، من الغطاء تصنعون الكروبين على طرفيه . ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظلّلين بأجنحتهما على الغطاء ووجهاهما كلّ واحد إلى الآخر . نحو الغطاء يكون وجها الكروبين . وتجعل الغطاء على التّابوت من فوق ، وفي التّابوت تضع الشّهادة الّتي أنا أعطيك » . هذا ما ورد في صفة الأمر بصنع ذلك التّابوت الدّينيّ ، وذكر بعده كيفيّة صنع المائدة الدّينيّة وآنيتها والمسكن والمذبح وخيمة العهد ومنارة السّراج والثّياب المقدّسة . ثمّ فصّل في الفصل ( 27 ) منه كيف كان صنع هذا التّابوت والمائدة والمنار ومذبح البخور . وهي غرائب يعدّها عقلاء هذه العصور ألاعيب ، والحكمة فيها - واللّه أعلم - أنّ بني إسرائيل كانوا - وقد استعبدهم وثنيّو المصريّين أحقابا - قد ملكت قلوبهم عظمة تلك الهياكل الوثنيّة ، وما فيها من الزّينة والصّنعة الّتي تدهش النّاظر ، وتشغل الخاطر ، فأراد اللّه تعالى أن يشغل قلوبهم عنها بمحسوسات من جنسها تنسب إليه سبحانه وتعالى وتذكّر به ؛ ف ( التّابوت ) سمّي أوّلا تابوت الشّهادة ، أي شهادة اللّه سبحانه ، ثمّ تابوت الرّبّ وتابوت اللّه ، كذلك أضيف إلى اللّه تعالى كلّ شيء صنع للعبادة . وهذا ممّا يدلّ على أنّ تلك الدّيانة ليست دائمة ، فلا غرو إذا نسخ الإسلام كلّ هذا الزّخرف والصّنعة من المساجد الّتي يعبد فيها اللّه تعالى ، حتّى لا يشتغل المصلّي عن مناجاة اللّه بشيء منها ، وما كلّفه ذلك الشّعب الّذي وصفته كتبه المقدّسة بأنّه صلب الرّقبة ، أو كما تقول العرب « عريض القفا » على قرب عهده بالوثنيّة وإحاطة الشّعوب الوثنيّة به من كلّ جانب ، لا يليق بحال البشر في طور ارتقائهم ؛ إذ لا يربّى الرّجل العاقل ، بمثل ما يربّى به

--> ( 1 ) المراد بالكروب الملك أي صورته أو تمثاله ، والكروبيّون عندنا : صنف من الملائكة .