مجمع البحوث الاسلامية

477

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء : لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التّابوت فيكم ، فأخرجوه عنكم . فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التّابوت ، ثمّ علّقوها على ثورين وضربوا جنوبهما ، فاقبل الثّوران يسيران ووكّل اللّه تعالى بها أربعة من الملائكة يسوقونهما ، فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل ، فكسرا نيريهما وقطعا حبالهما ، ووضعا التّابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل ، ورجعا إلى أرضهما ، فلم يرع بني إسرائيل إلّا بالتّابوت ، فكبّروا وحمدوا اللّه . ( 1 : 334 ) نحوه الميبديّ ( 1 : 666 ) ، وأبو الفتوح ( 3 : 361 ) ، والخازن ( 1 : 215 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 161 ) . الزّمخشريّ : التّابوت : صندوق التّوراة ، وكان موسى عليه السّلام إذا قاتل قدّمه ، فكانت تسكّن نفوس بني إسرائيل ولا يفرّون . [ إلى أن قال : ] وقرأ أبيّ وزيد بن ثابت ( التّابوه ) بالهاء وهي لغة الأنصار . فإن قلت : ما وزن التّابوت ؟ قلت : لا يخلو من أن يكون « فعلوتا » أو « فاعولا » . فلا يكون « فاعولا » لقلّة نحو سلس وقلق ، ولأنّه تركيب غير معروف ، فلا يجوز ترك المعروف إليه . فهو إذا « فعلوت » من « التّوب » وهو الرّجوع ، لأنّه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه ، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه ، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته . وأمّا من قرأ بالهاء فهو « فاعل » عنده ، إلّا فيمن جعل هاءه بدلا من التّاء لاجتماعهما في الهمس . وأنّهما من حروف الزّيادة ، ولذلك أبدلت من تاء التّأنيث . ( 1 : 379 ) نحوه البيضاويّ ( 1 : 130 ) ، وأبو السّعود ( 1 : 181 ) . الفخر الرّازيّ : إنّ مجيء ذلك التّابوت ، لا بدّ وأن يقع على وجه يكون خارقا للعادة حتّى يصحّ أن يكون آية من عند اللّه ، دالّة على صدق تلك الدّعوى ، ثمّ قال أصحاب الأخبار . [ فذكر نحو البغويّ ملخّصا ثمّ قال : ] والرّواية الثّانية : أنّ التّابوت صندوق كان موسى عليه السّلام يضع التّوراة فيه ، وكان من خشب . وكانوا يعرفونه ، ثمّ إنّ اللّه تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السّلام لسخطه على بني إسرائيل . ثمّ قال نبيّ ذلك القوم : إنّ آية ملك طالوت أن يأتيكم التّابوت من السّماء ، ثمّ إنّ التّابوت لم تحمله الملائكة ولا الثّوران ، بل نزل من السّماء إلى الأرض ، والملائكة كانوا يحفظونه ، والقوم كانوا ينظرون إليه حتّى نزل عند طالوت ، وهذا قول ابن عبّاس رضي اللّه عنهما . وعلى هذا الإتيان ، حقيقة في التّابوت ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعا ، لأنّ من حفظ شيئا في الطّريق جاز أن يوصف بأنّه حمل ذلك الشّيء وإن لم يحمله ، كما يقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيد ، إذا حفظها في الطّريق ، وإن كان الحامل غيره . واعلم أنّه تعالى جعل إتيان التّابوت معجزة ، ثمّ فيه احتمالان : أحدهما : أن يكون مجيء التّابوت معجزا ، وذلك هو الّذي قرّرناه .