مجمع البحوث الاسلامية
435
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المعنى ب ( تقطّع ) ، لكنّه لمّا جرى في أكثر الكلام منصوبا تركه في حال الرّفع على حاله منصوبا ، لكثرة استعماله كذلك ، وهو مذهب الأخفش . والقراءتان على هذا بمعنى واحد . ومثله عند الأخفش قوله : وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ الجنّ : 11 ، ومثله : يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ الممتحنة : 3 ، في قراءة من ضمّ الياء ، وفتح الصّاد . ف « دون » و « بين » استعملا في هذه المواضع اسما غير ظرف ، لكن تركا على الفتح ، وموضعهما رفع ، من أجل أنّ أكثر ما استعملا بالنّصب على أنّهما ظرفان . ( 1 : 278 ) نحوه أبو البركات ( 1 : 332 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 322 ) . الماورديّ : فيه وجهان : أحدهما : تفرّق جمعكم في الآخرة ، والثّاني : ذهب تواصلكم في الدّنيا ، قاله مجاهد . ومن قرأ ( بينكم ) بالفتح ، فمعناه تقطّع الأمر بينكم . ( 2 : 146 ) الطّوسيّ : قرأ أهل المدينة والكسائيّ وحفص ( بينكم ) بنصب النّون ، الباقون برفعها . البين : مصدر بان يبين ، إذا فارق . [ ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال : ] واستعمل هذا الاسم على ضربين : أحدهما : أن يكون اسما منصرفا كالافتراق ، والآخر : أن يكون ظرفا . فمن رفعه رفع ما كان ظرفا استعمله اسما . ويدلّ على جواز كونه اسما قوله : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الكهف : 78 ، وقوله : مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فصّلت : 5 ، فلمّا استعمل اسما في هذه المواضع ، جاز أن يسند إليه الفعل الّذي هو ( تقطّع ) في قراءة من رفع . ويدلّ على أنّ هذا المرفوع هو الّذي استعمل ظرفا ، أنّه لا يخلو من أن يكون الّذي هو ظرف اتّسع فيه ، أو يكون الّذي هو مصدر ، ولا يجوز أن يكون الّذي هو مصدر ، لأنّ التّقدير يصير : لقد تقطّع افتراقكم ، وهذا خلاف المعنى المراد ، لأنّ المراد : لقد تقطّع وصلكم ، وما كنتم تتألّفون عليه . فإن قيل : كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل وأصله الافتراق والتّباين ، وعلى هذا قالوا : بان الخليط ، إذا فارق ، وفي الحديث : « ما بان من الحيّ فهو ميتة » . قيل : إنّه لمّا استعمل مع الشّيئين المتلابسين ، نحو : بيني وبينك شركة ، وبيني وبينه صداقة ورحم ، صار لذلك بمنزلة الوصلة وعلى خلاف الفرقة ، فلذلك صار لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ بمعنى لقد تقطّع وصلكم ، ومثل « بين » في أنّه يجري في الكلام ظرفا ، ثمّ يستعمل اسما بمعنى « وسط » ، ساكن العين ، ألا ترى أنّهم يقولون : جلست وسط القوم ، فيجعلونه ظرفا لا يكون إلّا كذلك ، وقد استعملوه اسما . [ ثمّ استشهد بشعر ] وأمّا من نصب ( بينكم ) ففيه وجهان : أحدهما : أنّه أضمر الفاعل في الفعل ، ودلّ عليه ما تقدّم من قوله : وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ الأنعام : 94 ، لأنّ هذا الكلام فيه دلالة على التّقاطع والتّهاجر ، وذلك المضمر هو الأصل ، كأنّه قال : لقد تقطّع وصلكم بينكم .