مجمع البحوث الاسلامية

421

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إليه ، أي فلمّا خرّ بان للنّاس ، وظهر أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب . ولا حاجة على ما قرّر إلى اعتبار مضاف مقدّر هو فاعل في الحقيقة ، إلّا أنّه بعد حذفه أقيم المضاف إليه مقامه وأسند إليه الفعل ، ثمّ جعل ( أَنْ لَوْ كانُوا ) إلخ بدلا منه بدل كلّ من كلّ ، والأصل : تبيّن أمر الجنّ أن لو كانوا إلخ . وجعل بعضهم في قوله تعالى : أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إلخ قياسا طويت كبراه ، فكأنّه قيل : لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ، لكنّهم لبثوا في العذاب المهين فهم لا يعلمون الغيب . ومجيء « تبيّن » بمعنى بان وظهر لازما ، وبمعنى أدرك وعلم متعدّيا موجود في كلام العرب . [ ثمّ استشهد بشعر ، وبعد نقل كلام أبي حيّان عن ابن عطيّة قال : ] فتأمّله فإنّي لا أكاد أتعقّله وجها يلتفت إليه . وفي « أمالي » العزّ بن عبد السّلام : أنّ ( الجنّ ) ليس فاعل ( تبيّنت ) بل هو مبتدأ ، و أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ خبره ، والجملة مفسّرة لضمير الشّأن في ( تبيّنت ) ؛ إذ لولا ذلك لكان معنى الكلام : لمّا مات سليمان وخرّ ، ظهر لهم أنّهم لا يعلمون الغيب ، وعلمهم بعدم علمهم الغيب لا يتوقّف على هذا ، بل المعنى تبيّنت القصّة ما هي ، والقصّة قوله تعالى : الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ انتهى . والعجب من صدور مثله عن مثله ، وما جعله مانعا عن فاعليّة ( الجنّ ) مدفوع بما سمعت في تفسير الآية ، كما لا يخفى . ( 22 : 122 ) مكارم الشّيرازيّ : جملة ( تبيّنت ) من مادّة ( بين ) عادة بمعنى اتّضح ، فعل لازم . وأحيانا يأتي أيضا بمعنى العلم والاطّلاع ، فعل متعدّ . وهنا يتناسب المعنى مع الحالة الثّانية ، بمعنى أنّ الجنّ لم يعلموا بموت سليمان إلى ذلك الوقت ، ثمّ علموا وفهموا أنّهم لو كانوا يعلمون الغيب ، لما بقوا حتّى ذلك الحين في تعب وآلام الأعمال الشّاقّة الّتي كلّفوا بها . جمع من المفسّرين أخذ المعنى بالحالة الأولى ، وقال : إنّ مقصود الآية هو أنّه بعد أن هوى جثمان سليمان عليه السّلام إلى الأرض اتّضحت حقيقة الجنّ للنّاس ، وأنّهم لا يعلمون شيئا من الغيب ، وعبثا كان اعتقاد البعض باطّلاع الجنّ على الغيب . ( 13 : 375 ) يتبيّن . . . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ . . . البقرة : 187 الطّوسيّ : أي يظهر ، والتّبيّن : تميّز الشّيء يظهر للنّفس على التّحقيق . ( 2 : 134 ) الطّبرسيّ : أي ليظهر ويتميّز لكم على التّحقيق الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ . ( 1 : 281 ) القرطبيّ : ( حتّى ) غاية للتّبيين ، ولا يصحّ أن يقع التّبيين لأحد ويحرم عليه الأكل إلّا وقد مضى لطلوع الفجر قدر . واختلف في الحدّ الّذي بتبيّنه يجب الإمساك ، فقال الجمهور : ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة ، وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار . ( 2 : 318 )