مجمع البحوث الاسلامية

412

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كتب عليه : أنّه يعرف منه حوادث أهل النّار . وكلّ ذلك على ما يزعمون مستخرج من الكتاب الكريم ، ومثل هذا الجفر الجامع المنسوب إلى أمير المؤمنين عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه ، فإنّهم قالوا : إنّه جامع لما شاء اللّه تعالى من الحوادث الكونيّة ، وهو أيضا مستخرج من القرآن العظيم . وقد نقل الجلال السّيوطيّ عن المرسيّ أنّه قال : جمع القرآن علوم الأوّلين والآخرين ؛ بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلّا المتكلّم به ، ثمّ رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، خلا ما استأثر به سبحانه ، ثمّ ورث عنه معظم ذلك سادات الصّحابة وأعلامهم . [ إلى أن قال : ] وقيل : لا يخلو الزّمان من عارف بجميع ذلك ، وهو الوارث المحمّديّ ويسمّى : الغوث ، وقطب الأقطاب ، والمظهر الأتمّ ، ومظهر الاسم الأعظم ، إلى غير ذلك . ويردّ على هؤلاء القائلين : حديث التّأبير ، وقوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم : « أنتم أعلم بأمور دنياكم » . وأجيب : بأنّه يحتمل أن يكون ذلك منه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل نزول ما يعلم منه عليه الصّلاة والسّلام حال التّأبير ، ويحتمل أن يكون بعد النّزول ، وقال ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم قبل الرّجوع إليه والنّظر فيه ، ولو رجع ونظر لعلم فوق ما علموا . فأعلميّتهم بأمور دنياهم إنّما جاءت لكون علمهم بذلك لا يحتاج إلى الرّجوع والنّظر ، وعلمه عليه الصّلاة والسّلام يحتاج إلى ذلك ، وهذا كما قال صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم : « لو استقبلت ما استدبرت لما سقت الهدي » ، مع أنّ سوق الهدي من الأمور الدّينيّة ، وقد قالوا : إنّ القرآن العظيم تبيان لها ، وهذا يردّ عليهم لولا هذا الجواب ، فتأمّل ، فالبحث بعد غير خال عن القيل والقال . وقال بعضهم : إنّ الأمور إمّا دينيّة أو دنيويّة . والدّنيويّة لا اهتمام للشّارع بها ؛ إذ لم يبعث لها . والدّينيّة إمّا أصليّة أو فرعيّة ، والاهتمام بالفرعيّة دون الاهتمام بالأصليّة ، فإنّ المطلوب أوّلا بالذّات من بعثة الأنبياء عليهم السّلام هو التّوحيد وما أشبهه ، بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى ، كما يشهد له قوله سبحانه : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذّاريات : 56 ، بناء على تفسير كثير العبادة : بالمعرفة ، وقوله تعالى في الحديث القدسيّ المشهور على الألسنة المصحّح من طريق الصّوفيّة : « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » ، والقرآن العظيم قد تكفّل ببيان الأمور الدّينيّة الأصليّة ، على أتمّ وجه ، فليكن المراد من ( كلّ شئ ) ذلك ، ولا يحتاج هذا إلى توجيه كونه تبيانا إلى ما احتاج إليه حمل ( كلّ شئ ) على أمور الدّين مطلقا ، من قولنا : إنّه باعتبار أنّ فيه نصّا على البعض ، وإحالة للبعض الآخر على السّنّة إلخ . واختار بعض المتأخّرين أنّ ( كلّ شئ ) على ظاهره ، إلّا أنّ المراد بالتّبيان : التّبيان على سبيل الإجمال ، وما من شيء إلّا بيّن في الكتاب حاله إجمالا ، ويكفي في ذلك بيان بعض أحواله ، والمبالغة باعتبار الكمّيّة لا الكيفيّة على ما علمت سابقا ، ولو حمل التّبيان على ما يعمّ الإجمال والتّفصيل مع اعتبار مراتب المبيّن لهم ، واعتبر التّوزيع جاز أيضا ، فليتدبّر .