مجمع البحوث الاسلامية

413

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ونصب ( تبيانا ) على الحال ، كما قال أبو حيّان . وجوّز أن يكون مفعولا من أجله ، أي نزّلنا عليك الكتاب لأجل التّبيان . ( 14 : 214 ) القاسميّ : والتّبيان من المصادر الّتي بنيت على هذه الصّيغة ، لتكثير الفعل والمبالغة فيه ، أي تبيينا لكلّ علم نافع ؛ من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي ، وكلّ حلال وحرام ، وما النّاس محتاجون إليه في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم . ( 10 : 3849 ) عزّة دروزة : وقد يرد أنّ ما نزل من القرآن بعد هذه السّورة شيء كثير ، وفيه كثير من التّشريعات والتّلقينات والمبادئ والأحداث ، فكيف يصحّ أن تذكر الفقرة الأخيرة أنّ في الكتاب الّذي قد يعني ما نزل منه إلى هذه السّورة تبيانا لكلّ شيء ؟ وليس في هذا الوارد شيء . ففي ما أنزل اللّه قبل هذه الآية من الأسس والمبادئ والتّلقينات والمواعظ ، والبراهين على وجوب وجوده ووحدانيّته ، واستحقاقه وحده للخضوع ، ما يصحّ أن يقال : إنّه تبيان لكلّ شيء ، وهدى ورحمة وبشرى للمؤمنين . والكتاب كما يطلق على ما نزل من القرآن إلى هذه الآية ، يطلق على مجموعه ، واللّه عليم بما سوف ينزل بعدها ، وليس في علم اللّه سابق ولاحق حتّى يصحّ ذلك الوارد . هذا ونقول في نفس الجملة : إنّ الّذي يقرأ القرآن بتدبّر وإمعان ، وتكون عنده رغبة صادقة في الحقّ ، ولا يكون مبيّتا للمكابرة والعناد ، يظهر على صدق التّقرير الّذي احتوته ؛ حيث يجد فيه حقّا كلّ هدى ورحمة وبشرى وتبيان ، ويرى في ذلك أعظم نعمة أنعمها اللّه على بني آدم ، ويرى من تمام هذه النّعمة أن حفظه اللّه كما بلّغه رسوله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فصّلت : 42 ، ليظلّ دائما المورد الصّافي الّذي يجد فيه كلّ النّاس في كلّ زمان : الشّفاء والهدى والرّحمة والبشرى والبيان الواضح . ولقد انطوى في الجملة في الوقت نفسه دعوة لكلّ النّاس في كلّ زمن ومكان ، للنّظر فيه ، ليجدوا ذلك . ولقد أوّل جمهور المفسّرين جملة تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ بمعنى بيان ما النّاس في حاجة إليه من طرق : الهدى والضّلال ، والخير والشّرّ ، والحلال والحرام ، والحقّ والباطل ، والحدود ، والأحكام . وفي هذا من الوجاهة ما يتّسق مع أهداف القرآن ، فيجب أن تبقى الجملة في هذا النّطاق مع عدم فصلها عمّا سبقها ولحق بها ، وعدم الخروج بها إلى قصد تبيان نظريّات الكون ونواميسه وموجوداته وأحداثه ، ممّا يحاوله بعض المسلمين استنباطا من إشارات القرآن الوعظيّة والتّمثيليّة والتّذكيريّة ، لأنّ في هذا كثيرا من التّمحّل ، كما فيه إخراج للقرآن عن قدسيّته وأهدافه السّامية . ( 6 : 91 ) الطّباطبائيّ : ذكروا أنّه استئناف يصف القرآن بكرائم صفاته ، فصفته العامّة أنّه تبيان لكلّ شيء ، والتّبيان والبيان واحد - كما قيل - وإذ كان كتاب هداية لعامّة النّاس - وذلك شأنه - كان الظّاهر أنّ المراد بكلّ شيء كلّ ما يرجع إلى أمر الهداية ، ممّا يحتاج إليه النّاس في : اهتدائهم من المعارف الحقيقيّة المتعلّقة بالمبدأ والمعاد ، والأخلاق الفاضلة ، والشّرائع الإلهيّة ، والقصص ،