مجمع البحوث الاسلامية
37
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بكذبه . وهذه الكلمة هي لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ولكنّها تقترن بمعجزة خارقة ، دونها معجزات المسيح مجتمعة ؛ حيث تنهال على رأس الكاذب صاعقة من السّماء ، تملأ الأرض عليه نارا . وقد تواترت الرّوايات في كتب الحديث والتّفسير ، ومنها صحيح مسلم والتّرمذيّ ، وتفسير الطّبريّ ، والرّازيّ ، والبحر المحيط ، وغرائب القرآن ، وروح البيان ، والمنار ، والمراغيّ ، وغيرها كثير ، تواترت الرّوايات أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله خرج ، وعليه مرط - أي كساء غير مخيط - أسود ، وقد احتضن الحسين ، وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة وعليّ يمشيان خلفه ، وهو يقول : إذا دعوت فأمّنوا ، فقال الرّئيس الدّينيّ للوفد : يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوها لو دعت اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا ، ثمّ قال : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك . فقال لهم : أسلموا فأبوا ، ثمّ صالحهم على أن يؤدّوا الجزية . وعاد الوفد مخذولا مرذولا ، يجرّ وراءه ثوب الفشل والخزي ، وآمن بعد هذه المباهلة كثير من الّذين لم يكونوا قد آمنوا بعد ، كما ازداد المؤمنون إيمانا وتسليما . ( 2 : 76 ) الطّباطبائيّ : قوله تعالى : فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ المتكلّم مع الغير في قوله : ( نَدْعُ ) ، غيره في قوله : ( أَبْناءَنا ) و ( نِساءَنا ) و ( أَنْفُسَنا ) فإنّه في الأوّل مجموع المتخاصمين من جانب الإسلام والنّصرانيّة ، وفي الثّاني وما يلحق به من جانب الإسلام ، ولذا كان الكلام في معنى قولنا : ندع الأبناء والنّساء والأنفس ، فندعو نحن أبناءنا ونساءنا وأنفسنا ، وتدعون أنتم أبناءكم ونساءكم وأنفسكم ، ففي الكلام إيجاز لطيف . والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظّاهر كالمحاجّة بين رسول اللّه وبين رجال النّصارى ، لكن عمّمت الدّعوة للأبناء والنّساء ليكون أدلّ على اطمينان الدّاعي بصدق دعواه ، وكونه على الحقّ لما أودعه اللّه سبحانه في قلب الإنسان من محبّتهم والشّفقة عليهم ، فتراه يقيهم بنفسه ، ويركب الأهوال والمخاطرات دونهم ، وفي سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذّبّ عنهم ، ولذلك بعينه قدّم الأبناء على النّساء ، لأنّ محبّة الإنسان بالنّسبة إليهم أشدّ وأدوم . ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسّرين : أنّ المراد بقوله : نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ إلخ ، ندع نحن أبناءكم ونساءكم وأنفسكم ، وتدعوا أنتم أبناءنا ونساءنا وأنفسنا ؛ وذلك لإبطاله ما ذكرناه من وجه تشريك الأبناء والنّساء في المباهلة . وفي تفصيل التّعداد دلالة أخرى على اعتماد الدّاعي وركونه إلى الحقّ ، كأنّه يقول : ليباهل الجمع الجمع فيجعل الجمعان لعنة اللّه على الكاذبين حتّى يشمل اللّعن والعذاب الأبناء والنّساء والأنفس ، فينقطع بذلك دابر المعاندين ، وينبت أصل المبطلين . وبذلك يظهر أنّ الكلام لا يتوقّف في صدقه على كثرة الأبناء ولا على كثرة النّساء ولا على كثرة الأنفس ، فإنّ المقصود الأخير أن يهلك أحد الطّرفين بمن عنده من صغير وكبير ، وذكور وإناث ، وقد أطبق المفسّرون