مجمع البحوث الاسلامية

38

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

واتّفقت الرّواية وأيّده التّاريخ : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حضر للمباهلة ولم يحضر معه إلّا عليّ وفاطمة والحسنان عليهم السّلام ، فلم يحضر لها إلّا نفسان وابنان وامرأة واحدة ، وقد امتثل أمر اللّه سبحانه فيها . على أنّ المراد من لفظ الآية أمر ، والمصداق الّذي ينطبق عليه الحكم بحسب الخارج أمر آخر ، وقد كثر في القرآن الحكم أو الوعد والوعيد للجماعة ؛ ومصداقه بحسب شأن النّزول واحد ، كقوله تعالى : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ المجادلة : 2 ، وقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا المجادلة : 3 ، وقوله تعالى : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ آل عمران : 181 ، وقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ البقرة : 219 ؛ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الّتي وردت بلفظ « الجمع » ومصداقها بحسب شأن النّزول « مفرد » . قوله تعالى : ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ الابتهال : من البهلة بالفتح والضّمّ ، وهي اللّعنة . هذا أصله ثمّ كثر استعماله في الدّعاء والمسألة إذا كان مع إصرار وإلحاح . وقوله : فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ ، كالبيان للابتهال ، وقد قيل : فنجعل ، ولم يقل : فنسأل ، إشارة إلى كونها دعوة غير مردودة ؛ حيث يمتاز بها الحقّ من الباطل ، على طريق التّوقّف والابتناء . وقوله : ( الْكاذِبِينَ ) مسوق سوق العهد دون الاستغراق أو الجنس ؛ إذ ليس المراد جعل اللّعنة على كلّ كاذب أو على جنس الكاذب بل على الكاذبين الواقعين في أحد طرفي المحاجّة الواقعة بينه صلّى اللّه عليه وآله وبين النّصارى ؛ حيث قال صلّى اللّه عليه وآله : إنّ اللّه لا إله غيره وإنّ عيسى عبده ورسوله ، وقالوا : إنّ عيسى هو اللّه أو إنّه ابن اللّه أو إنّ اللّه ثالث ثلاثة . وعلى هذا فمن الواضح أن لو كانت الدّعوى والمباهلة عليها بين النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبين النّصارى ، أعني كون أحد الطّرفين مفردا والطّرف الآخر جمعا ، كان من الواجب التّعبير عنه بلفظ يقبل الانطباق على المفرد والجمع معا ، كقولنا : فنجعل لعنة اللّه على من كان كاذبا ، فالكلام يدلّ على تحقّق كاذبين ، بوصف الجمع في أحد طرفي المحاجّة . والمباهلة على أيّ حال : إمّا في جانب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وإمّا في جانب النّصارى ، وهذا يعطي أن يكون الحاضرون للمباهلة شركاء في الدّعوى ، فإنّ الكذب لا يكون إلّا في دعوى ، فلمن حضر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وهم عليّ وفاطمة والحسنان عليهم السّلام شركة في الدّعوى والدّعوة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . وهذا من أفضل المناقب الّتي خصّ اللّه به أهل بيت نبيّه عليهم السّلام ، كما خصّهم باسم الأنفس والنّساء والأبناء لرسوله صلّى اللّه عليه وآله من بين رجال الأمّة ونسائهم وأبنائهم . فإن قلت : قد مرّ أنّ القران يكثر إطلاق لفظ « الجمع » في مورد المفرد ، وأنّ إطلاق النّساء في الآية مع كون من حضرت منهنّ للمباهلة منحصرة في فاطمة عليها السّلام ، فما المانع من تصحيح استعمال لفظ الكاذبين بهذا النّحو ؟