مجمع البحوث الاسلامية
367
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الرّسول : بالبيّنة وجوها : الأوّل : أنّ ذاته كانت بيّنة على نبوّته ، وذلك لأنّه عليه السّلام كان في نهاية الجدّ في تقرير النّبوّة والرّسالة ، ومن كان كذّابا متصنّعا فإنّه لا يتأتّى منه ذلك الجدّ المتناهي ، فلم يبق فيه إلّا أن يكون صادقا أو معتوها ، والثّاني : معلوم البطلان ، لأنّه كان في غاية كمال العقل ، فلم يبق إلّا أنّه كان صادقا . الثّاني : أنّ مجموع الأخلاق الحاصلة فيه كان بالغا إلى حدّ كمال الإعجاز ، والجاحظ قرّر هذا المعنى ، والغزاليّ رحمه اللّه نصره في كتاب « المنقذ » فإذا لهذين الوجهين سمّي هو في نفسه بأنّه بيّنة . الثّالث : أنّ معجزاته عليه الصّلاة والسّلام كانت في غاية الظّهور ، وكانت أيضا في غاية الكثرة ، فلاجتماع هذين الأمرين جعل كأنّه عليه السّلام في نفسه بيّنة وحجّة ، ولذلك سمّاه اللّه تعالى سِراجاً مُنِيراً الأحزاب : 46 . واحتجّ القائلون بأنّ المراد من « البيّنة » هو الرّسول بقوله تعالى بعد هذه الآية : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ ، فهو رفع على البدل من البيّنة . وقرأ عبد اللّه ( رسولا ) حال من البيّنة ، قالوا : و ( الألف واللّام ) في قوله ( البيّنة ) للتّعريف ، أي هو الّذي سبق ذكره في التّوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى ، أو يقال : إنّها للتّفخيم ، أي هو ( البيّنة ) الّتي لا مزيد عليها ، أو البيّنة كلّ البيّنة ، لأنّ التّعريف قد يكون للتّفخيم ، وكذا التّنكير . وقد جمعهما اللّه هاهنا في حقّ الرّسول عليه السّلام ، فبدأ بالتّعريف وهو لفظ البيّنة ، ثمّ ثنّى بالتّنكير فقال : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ ، أي هو رسول ، وأيّ رسول ، ونظيره ما ذكره اللّه تعالى في الثّناء على نفسه ، فقال : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ، ثمّ قال : ( فعّال ) البروج : 15 ، فنكّر بعد التّعريف . القول الثّاني : أنّ المراد من ( البيّنة ) مطلق الرّسل ، وهو قول أبي مسلم . قال : المراد من قوله : حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ أي حتّى تأتيهم رسل من ملائكة اللّه ، تتلوا عليهم صحفا مطهّرة ، وهو كقوله : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ النّساء : 153 ، وكقوله : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً المدّثّر : 52 . القول الثّالث : وهو قول قتادة وابن زيد : ( البيّنة ) هي القرآن ، ونظيره قوله : أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى طه : 133 ، ثمّ قوله بعد ذلك : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ لا بدّ فيه من مضاف محذوف ، والتّقدير : وتلك البيّنة وحي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً . ( 32 : 41 ) النّيسابوريّ : ( البيّنة ) الحجّة الواضحة ، وإطلاقها على الرّسول كإطلاق النّور والسّراج عليه . ( 30 : 152 ) الشّربينيّ : و ( البيّنة ) الآية الّتي هي في البيان كالفجر المنير ، الّذي لا يزداد بالتّمادي إلّا ظهورا وضياء ونورا ، وذلك هو الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو القرآن . ( 4 : 570 ) أبو السّعود : الّتي كانوا قد جعلوا إتيانها ميقاتا لاجتماع الكلمة ، والاتّفاق على الحقّ ، فجعلوه ميقاتا للانفكاك والافتراق وإخلاف الوعد . [ إلى أن قال : ] عبّر عنه عليه السّلام ب ( البيّنة ) للإيذان بغاية ظهور أمره ، وكونه ذلك الموعود في الكتابين . ( 6 : 455 ) مثله البروسويّ . ( 10 : 486 )