مجمع البحوث الاسلامية
348
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الطّباطبائيّ : عَلَّمَهُ الْبَيانَ البيان : الكشف عن الشّيء ، والمراد به الكلام الكاشف عمّا في الضّمير ، وهو من أعجب النّعم ، وتعليمه للإنسان من عظيم العناية الإلهيّة المتعلّقة به . فليس الكلام المجرّد إيجاد صوت مّا باستخدام الرّئة وقصبتها والحلقوم ، ولا ما يحصل من التّنوّع في الصّوت الخارج من الحلقوم ، باعتماده على مخارج الحروف المختلفة في الفم . بل يجعل الإنسان بإلهام باطنيّ من اللّه سبحانه ، الواحد من هذه الأصوات المعتمدة على مخرج من مخارج الفم المسمّى حرفا ، أو المركّب من عدّة من الحروف ، علامة مشيرة إلى مفهوم من المفاهيم ، يمثّل به ما يغيب عن حسّ السّامع وإدراكه ، فيقدر به على إحضار أيّ وضع من أوضاع العالم المشهود ، وإن جلّ ما جلّ ، أو دقّ ما دقّ من موجود أو معدوم ، ماض أو مستقبل ، ثمّ على إحضار أيّ وضع من أوضاع المعاني غير المحسوسة الّتي ينالها الإنسان بفكره ، ولا سبيل للحسّ إليها ، يحضرها جميعا لسامعه ، ويمثّلها لحسّه ، كأنّه يشخصها له بأعيانها . ولا يتمّ للإنسان اجتماعه المدنيّ ، ولا تقدّم في حياته هذا التّقدّم الباهر ، إلّا بتنبّهه لوضع الكلام ، وفتحه بذلك باب التّفهيم والتّفهّم ، ولولا ذلك لكان هو والحيوان العجم سواء ، في جمود الحياة وركودها . ومن أقوى الدّليل على أنّ اهتداء الإنسان إلى البيان ، بإلهام إلهيّ له أصل في التّكوين ، اختلاف اللّغات باختلاف الأمم والطّوائف في الخصائص الرّوحيّة والأخلاق النّفسانيّة ، وبحسب اختلاف المناطق الطّبيعيّة الّتي يعيشون فيها ، قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ الرّوم : 22 . وليس المراد بقوله : عَلَّمَهُ الْبَيانَ أنّ اللّه سبحانه وضع اللّغات ، ثمّ علّمها الإنسان بالوحي إلى نبيّ من الأنبياء ، أو بالإلهام ، فإنّ الإنسان بوقوعه في ظرف الاجتماع ، مندفع بالطّبع إلى اعتبار التّفهيم والتّفهّم بالإشارات والأصوات ، وهو التّكلّم والنّطق ، لا يتمّ له الاجتماع المدنيّ دون ذلك . على أنّ فعله تعالى هو التّكوين والإيجاد والرّابطة بين اللّفظ ومعناه اللّغويّ وضعيّة اعتباريّة لا حقيقيّة خارجيّة ، بل اللّه سبحانه خلق الإنسان وفطره فطرة تؤدّيه إلى الاجتماع المدنيّ ، ثمّ إلى وضع اللّغة بجعل اللّفظ علامة للمعنى ؛ بحيث إذا ألقى اللّفظ إلى سامعه فكأنّما يلقي إليه المعنى ، ثمّ إلى وضع الخطّ بجعل الأشكال المخصوصة علائم للألفاظ ، فالخطّ مكمّل لغرض الكلام ، وهو يمثّل الكلام ، كما أنّ الكلام يمثّل المعنى . وبالجملة ( البيان ) من أعظم النّعم والآلاء الرّبّانيّة الّتي تحفظ لنوع الإنسان موقفه الإنسانيّ ، وتهديه إلى كلّ خير . هذا ما هو الظّاهر المتبادر من الآيتين ، ولهم في معناهما أقوال : فقيل : ( الانسان ) هو آدم عليه السّلام ، و ( البيان ) الأسماء الّتي علّمه اللّه إيّاها . وقيل : ( الانسان ) محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، و ( البيان ) القرآن ، أو تعليمه المؤمنين القرآن ، وقيل : ( البيان ) الخير والشّرّ ، علّمهما الإنسان . وقيل : سبيل الهدى وسبيل الضّلال إلى غير ذلك ، وهي أقوال بعيدة عن الفهم . ( 19 : 95 )