مجمع البحوث الاسلامية
347
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إنّه هذه الخليّة الواحدة الّتي تبدأ حياتها في الرّحم ، خليّة ساذجة صغيرة ، ضئيلة مهينة . ترى بالمجهر ، ولا تكاد تبين ، وهي لا تبين ! ولكن هذه الخليّة ما تلبث أن تكوّن الجنين ، الجنين المكوّن من ملايين الخلايا المنوّعة : عظميّة ، وغضروفيّة ، وعضليّة ، وعصبيّة ، وجلديّة . ومنها كذلك تتكوّن الجوارح والحواسّ ووظائفها المدهشة : السّمع ، البصر ، الذّوق ، الشّمّ ، اللّمس ، ثمّ الخارقة الكبرى والسّرّ الأعظم : الإدراك والبيان ، والشّعور والإلهام ، كلّه من تلك الخليّة الواحدة السّاذجة الصّغيرة الضّئيلة المهينة ، الّتي لا تكاد تبين ، والّتي لا تبين ! كيف ؟ ومن أين ؟ من الرّحمن ، وبصنع الرّحمن . فلننظر كيف يكون البيان ؟ : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ النّحل : 78 . إنّ تكوين جهاز النّطق وحده عجيبة لا ينقضي منها العجب ، اللّسان والشّفتان والفكّ والأسنان ، والحنجرة والقصبة الهوائيّة والشّعب والرّئتان ، إنّها كلّها تشترك في عمليّة التّصويت الآليّة ، وهي حلقة في سلسة البيان . وهي على صخامتها لا تمثّل إلّا الجانب الميكانيكيّ الآليّ في هذه العمليّة المعقّدة ، المتعلّقة بعد ذلك بالسّمع والمخّ والأعصاب . ثمّ بالعقل الّذي لا نعرف عنه إلّا اسمه ، ولا ندري شيئا عن ماهيّته وحقيقته ، بل لا نكاد ندري شيئا عن عمله وطريقته ! كيف ينطق النّاطق باللّفظ الواحد ؟ إنّها عمليّة معقّدة كثيرة المراحل والخطوات والأجهزة ، مجهولة في بعض المراحل خافية حتّى الآن . إنّها تبدأ شعورا بالحاجة إلى النّطق بهذا اللّفظ ، لأداء غرض معيّن . هذا الشّعور ينتقل - لا ندري كيف - من الإدراك أو العقل أو الرّوح إلى أداة العمل الحسّيّة « المخّ » . ويقال : إنّ المخّ يصدر أمره عن طريق الأعصاب بالنّطق بهذا اللّفظ المطلوب ، واللّفظ ذاته ممّا علّمه اللّه للإنسان وعرّفه معناه . وهنا تطرد الرّئة قدرا من الهواء المختزن فيها ، ليمرّ من الشّعب إلى القصبة الهوائيّة إلى الحنجرة وحبالها الصّوتيّة العجيبة ، الّتي لا تقاس إليها أوتار أيّة آلة صوتيّة صنعها الإنسان ، ولا جميع الآلات الصّوتيّة المختلفة الأنغام ، فيصوّت الهواء في الحنجرة صوتا تشكّله حسبما يريد العقل ؛ عاليا أو خافتا ، سريعا أو بطيئا ، خشنا أو ناعما ، ضخما أو رفيعا ، إلى آخر أشكال الصّوت وصفاته . ومع الحنجرة اللّسان والشّفتان والفكّ والأسنان ، يمرّ بها هذا الصّوت فيتشكّل بضغوط خاصّة في مخارج الحروف المختلفة ، وفي اللّسان خاصّه يمرّ كلّ حرف بمنطقة منه ذات إيقاع معيّن ، يتمّ فيه الضّغط المعيّن ، ليصوّت الحرف بجرس معيّن . وذلك كلّه لفظ واحد ، ووراءه العبارة ، والموضوع ، والفكرة ، والمشاعر السّابقة واللّاحقة . وكلّ منها عالم عجيب غريب ، ينشأ في هذا الكيان الإنسانيّ العجيب الغريب ، بصنعة الرّحمن ، وفضل الرّحمن . ( 6 : 3446 ) محمّد عزّة دروزة : الجمهور على أنّ معنى الجملة : علّم الإنسان النّطق ، اختصاصا له من دون الأحياء . ( 7 : 130 )