مجمع البحوث الاسلامية

310

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ابن شهرآشوب : قوله تعالى : أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وقوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ النّساء : 29 ، يدلّان على جواز بيع الأعيان الغائبة إذا علمت ، وجواز بيع الأعمى وشرائه ، ويدخل فيه أيضا المبيع إذا استثني منه شيء معيّن كالشّاة إلّا جلدها أو الشّجر إلّا شجرة الفلانيّة . ويدلّان على أنّه إذا فرّق بين الصّغير وبين أمّه لم يبطل البيع ، والأصل جوازه ، وبطلانه يحتاج إلى دليل . ( 2 : 212 ) الفخر الرّازيّ : في الآية سؤال ، وهو أنّه لم لم يقل : إنّما الرّبا مثل البيع ؟ وذلك لأنّ حلّ البيع متّفق عليه ، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الرّبا ، ومن حقّ القياس أن يشبه محلّ الخلاف بمحلّ الوفاق ، فكان نظم الآية أن يقال : إنّما الرّبا مثل البيع ، فما الحكمة في أن قلب هذه القضيّة ؟ فقال : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا . والجواب : أنّه لم يكن مقصود القوم أن يتمسّكوا بنظم القياس ، بل كان غرضهم أنّ الرّبا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة ، فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحلّ ، والثّاني بالحرمة ، وعلى هذا التّقدير فأيّهما قدّم أو أخّر جاز . أمّا قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ففيه مسائل : المسألة الأولى : يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفّار ، والمعنى أنّهم قالوا : البيع مثل الرّبا ، ثمّ إنّكم تقولون : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فكيف يعقل هذا ؟ يعني أنّهما لمّا كانا متماثلين فلو حلّ أحدهما وحرّم الآخر لكان ذلك إيقاعا للتّفرقة بين المثلين ، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم ، فقوله : أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ذكره الكفّار على سبيل الاستبعاد . وأمّا أكثر المفسّرين فقد اتّفقوا على أنّ كلام الكفّار انقطع عند قوله : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ، وأمّا قوله : أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فهو كلام اللّه تعالى ، ونصّه على هذا الفرق ذكره إبطالا لقول الكفّار : إنّما البيع مثل الرّبا . والحجّة على صحّة هذا القول وجوه : الحجّة الأولى : أنّ قول من قال : هذا كلام الكفّار ، لا يتمّ إلّا بإضمار زيادات ، بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار . أو يحمل ذلك على الرّواية من قول المسلمين ، ومعلوم أنّ الإضمار خلاف الأصل . وأمّا إذا جعلناه كلام اللّه ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار ، فكان ذلك أولى . الحجّة الثّانية : أنّ المسلمين أبدا كانوا متمسّكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية ، ولولا أنّهم علموا أنّ ذلك كلام اللّه لا كلام الكفّار ، وإلّا لما جاز لهم أن يستدلّوا به ، وفي هذه الحجّة كلام سيأتي في المسألة الثّانية . الحجّة الثّالثة : أنّه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فظاهر هذا الكلام يقتضي أنّهم لمّا تمسّكوا بتلك الشّبهة ، وهي قوله : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فاللّه تعالى قد كشف عن فساد تلك الشّبهة وعن ضعفها ، ولو لم يكن قوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا كلام اللّه لم يكن جواب تلك الشّبهة مذكورا ، فلم يكن قوله : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ لائقا بهذا الموضع .