مجمع البحوث الاسلامية
238
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة : البيداء ، وهي مفازة لا شيء فيها ، وجمعها بيد ، ومنه قولهم : باد الرّجل يبيد بيدا ، أي هلك ، وكأنّه حلّ في البيداء فأبادته ، وأباده اللّه : أهلكه ، وأباده الدّهر إبادة . وباد الشّيء يبيد بيدا وبيادا وبيودا وبيدودة : نفد وذهب ، وبادت الشّمس : غربت . ومنه : البيدانة : الأتان الوحشيّة ، وجمعها بيدانات ، وسمّيت بذلك لسكونها البيداء ، يقال : أتان بيدانة ، فهي على وزن « فعلانة » ، مثل : صفوانة : صخرة ملساء . وقيل : لكونها عظيمة البدن ، فهي - على هذا القول - على وزن « فيعالة » ، مثل : عيثامة وعيثارة ، وهما نوعان من الشّجر . 2 - وبيد : غير ، أو على ، أو من أجل ، وأيّ من هذه المعاني لا يطابق ما ذهبنا إليه كأصل لهذه المادّة ، أي البيداء ، وما ذهب إليه غيرنا كابن فارس ، وهو الهلاك ، قال : « وهذا يباين القياس الأوّل ، ولو قيل : إنّه أصل برأسه لم يبعد » . ونرى أنّ « ميد » - الّذي قيل فيه : إنّه لغة في « بيد » - هو الأصل ، و « بيد » لغة فيه ، كقولهم : باسمك ، أي ما اسمك ؟ وبهلا ، أي مهلا . وهو من : مادهم يميدهم ، أي زادهم ، وعلى ذلك فإنّ معنى « ميد » هو « على » الّتي تفيد العلوّ والفوقيّة ، ومنه قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش » ، أي فضلا عن ذلك ، وفيه وجوه أخرى سنتعرّض لها في « م ي د » إن شاء اللّه . 3 - وبين « ب ي د » و « أب د » اشتقاق أكبر ، فأصل المادّة الأولى مشرب معنى التّوحّش كما رأيت ، وهو يضارع أحد أصلي « أب د » ، أي التّوحّش ، كما مرّ هناك ، يقال : أبدت البهيمة أبودا : توحّشت ، ونفرت من الإنس . كما أنّ « باد » ورد في إحدى لغات السّريانيّة بلفظ « إبد » ، وهو يطابق « الأبد » لفظا أيضا ، وهذا يدلّ على وحدة المادّتين واتّحاد مغرسهما . الاستعمال القرآنيّ جاءت هذه المادّة مرّة واحدة ، فعلا مضارعا في سورة مكّيّة : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً الكهف : 35 يلاحظ أوّلا : أنّ استعمالها وحيدة ومنفردة في القرآن دون ضرورة - كرعاية الفواصل - يحكي قلّة تداولها عند العرب حينذاك . ومع ذلك ففيه إيهام التّناسب بين « تبيد » و « أبدا » . فلو جاء « تهلك » لا نتفى ذلك ، ولعلّه الموجب لمجيئه بدله . فهذا الأمر - إيهام التّناسب - قام مقام رعاية الفواصل في غيرها ، ممّا جاء مرّه واحدة في القرآن . ثانيا : هناك حكمة أخرى في إتيان « البيد » مقرونا بالجنّة ، رغم وجود ما يضارعه أصلا واستعمالا ، وهي أنّ هذا الضّرب من الاستعمال يراد به الإمعان في تصوير مشهدين متناقضين تماما ، مشهد يصوّر روضة غنّاء ذات أثمار يانعة ، ومشهد يصوّر بيداء يهماء لا حياة فيها ولا ماء ؛ إذ ينبئ الفعل « باد يبيد » - كما بيّنّا آنفا - بالحلول