مجمع البحوث الاسلامية

237

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وتقديرا لا يلتفت إليه ، حتّى يظنّ به ويمال إليه . فمعنى ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أنّ بقاءه ودوامه ممّا تطمئنّ إليه النّفس ولا تتردّد فيه ، حتّى تتفكّر في بيده وتظنّ أنّه سيفنى . وهذا حال الإنسان فإنّ نفسه لا تتعلّق بالشّيء الفاني من جهة أنّه متغيّر يسرع إليه الزّوال ، وإنّما يتعلّق القلب عليه بما يشاهد فيه من سمة البقاء كيفما كان ، فينجذب إليه ولا يلوي عنه إلى شيء من تقادير فنائه . فتراه إذا أقبلت عليه الدّنيا اطمأنّ إليها وأخذ في التّمتّع بزينتها والانقطاع إليها ، واعتورته أهواؤه وطالت آماله ، كأنّه لا يرى لنفسه فناء ، ولا لما بيده من النّعمة زوالا ، ولا لما ساعدته عليه من الأسباب انقطاعا ، وتراه إذا أدبرت عنه الدّنيا أخذه اليأس والقنوط ، فأنساه كلّ رجاء للفرج ، وسجّل عليه أنّه سيدوم ويدوم عليه الشّقاء ، وسوء الحال . والسّبب في ذلك كلّه ما أودعه اللّه في فطرته من التّعلّق بهذه الزّينة الفانية فتنة وامتحانا ، فإذا أعرض عن ذكر ربّه انقطع إلى نفسه والزّينة الدّنيويّة الّتي بين يديه ، والأسباب الظّاهريّة الّتي أحاطت به ، وتعلّق على حاضر الوضع الّذي يشاهده ، ودعته جاذبة الزّينات والزّخارف أن يجمد عليها ولا يلتفت إلى فنائها ، وهو القول بالبقاء . وكلّما قرعته قارعة العقل الفطريّ أنّ الدّهر سيغدر به ، والأسباب ستخذله ، وأمتعة الحياة ستودّعه ، وحياته المؤجّلة ستبلغ أجلها ، منعه اتّباع الأهواء وطول الآمال الإصغاء لها والالتفات إليها . وهذا شأن أهل الدّنيا لا يزالون على تناقض من الرّأي يعملون ما يصدّقونه بأهوائهم ويكذّبونه بعقولهم ، لكنّهم يطمئنّون إلى رأي الهوى ، فيمنعهم عن الالتفات إلى قضاء العقل . وهذا معنى قولهم : بدوام الأسباب الظّاهريّة وبقاء زينة الحياة الدّنيا ، ولهذا قال فيما حكاه اللّه : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ولم يقل : هذه لا تبيد أبدا . ( 13 : 310 ) عبد الكريم الخطيب : هكذا يكيد هذا الضّالّ لصاحبه ، ويجيء إليه بما يظنّ أنّه يملأ قلبه حسرة وحسدا ، فيتحدّث عن جنّته هذا الحديث الّذي يتيه فيه فخرا وزهوا ، بما يملك بين يديه ، من ثراء طائل ، وجاه عظيم . إنّه ينظر إلى جنّته كأنّه يراها لأوّل مرّة ، فيقول : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ثمّ ينظر في وجه صاحبه ليرى وقع هذه الكلمة على مشاعره ، فيرى استنكارا وامتعاضا وتعجّبا ، من هذا الغرور الّذي يذهل صاحبه عن بدهيّات الأمور . فهل رأى هذا الأحمق الجهول ، فيما يدور في دنياه هذه شيئا لا يبيد أبدا ؟ وهل هذه أوّل جنّة كانت في هذه البقعة ؟ ألا يجوز أنّها قامت على أنقاض دور كانت عامرة ، أو جنّات كانت خيرا من جنّته ؟ ( 8 : 618 ) محمود صافي : والمصدر المؤوّل ( ان تبيد ) في محلّ نصب سدّ مسدّ مفعولي ظنّ . ( 15 : 186 ) المصطفويّ : أي ما أظنّ أن تنمحي هذه العمارة وتتبدّد هذه الصّورة ، من نظم الأنهار والأشجار والعمارة . ( 1 : 342 )