مجمع البحوث الاسلامية

191

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

اعتراضيّة أقرب ، لأنّ قوله : وكما أنّ أوهن البيوت إلخ ليس فيه إيماء إلى تقييد الأوّل . وقد تعقّب أبو حيّان هذا الوجه بأنّه لا يدلّ عليه لفظ الآية ، وإنّما هو تحميل اللّفظ ما لا يحتمله ، كعادته في كثير من تفسيره ، وهذه مجازفة على صاحب « الكشّاف » كما لا يخفى . ويجوز أن يكون المعنى مثل الّذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء فيما اتّخذوه معتمدا ومتّكلا في دينهم وتولّوه من دون اللّه تعالى ، كمثل العنكبوت فيما نسجته واتّخذته بيتا ، والتّشبيه على هذا من المركّب فيعتبر في جانب المشبّه اتّخاذ ومتّخذ واتّكال عليه ، وكذلك في الجانب الآخر ما يناسبه . ويعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من ذلك كلّه بالهيئة المنتزعة من هذا بالأسر . والغرض تقرير وهن أمر دينهم ، وأنّه بلغ الغاية الّتي لا غاية بعدها ، ومدار قطب التّشبيه أنّ أولياءهم بمنزلة منسوج العنكبوت ضعف حال وعدم صلوح اعتماد ، وعلى هذا يكون قوله تعالى : إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ تذييلا يقرّر الغرض من التّشبيه . وجوّز أن يكون المعنى والغرض من التّشبيه ما سمعت إلّا أنّه يجعل التّذييل استعارة تمثيليّة ، ويكون ما تقدّم كالتّوطئة لها ، فكأنّه قيل : وإنّ أوهن ما يعتمد عليه في الدّين عبادة الأوثان ، وهي تقرّر الغرض من التّشبيه بتبعيّة تقرير المشبّه ، وكأنّ التّقرير في الوجه السّابق بتبعيّة تقرير المشبّه به ، وهذا قريب من تجريد الاستعارة وترشيحها . ونظير ذلك قولك : زيد في الكرم بحر والبحر لا يخيّب من أتاه ، إذا كان البحر الثّاني مستعارا للكريم ، وذكر الطّرفين إنّما يمنع من كونه استعارة لو كان في جملته ، ورجّح السّابق لأنّ عادة البلغاء تقرير أمر المشبّه به ليدلّ به على تقرير المشبّه ، ولأنّ هذا إنّما يتميّز عن الألغاز بعد سبق التّشبيه . وجوّز أن يكون قوله تعالى : ( مثل الّذين ) إلخ كالمقدّمة الأولى ، وقوله سبحانه : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ كالثّانية ، وما هو كالنّتيجة محذوف مدلول عليه بما بعد كما في « الكشف » ، والمجموع يدلّ على المراد من تقرير وهن أمر دينهم ، وأنّه بلغ الغاية الّتي لا غاية بعدها على سبيل الكناية الإيمائيّة ، فتأمّل . ( 20 : 160 ) الطّباطبائيّ : ويكون قوله : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ بيانا لصفة البيت الّذي أخذته العنكبوت ، ولم يقل : إنّ أوهن البيوت لبيتها ، كما هو مقتضى الظّاهر أخذا للجملة بمنزلة المثل السّائر الّذي لا يتغيّر . والمعنى أنّ اتّخاذهم من دون اللّه أولياء ، وهم آلهتهم الّذين يتولّونهم ويركنون إليهم ، كاتّخاذ العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت ؛ إذ ليس له من آثار البيت إلّا اسمه ، لا يدفع حرّا ولا بردا ، ولا يكنّ شخصا ولا يقي من مكروه . كذلك ليس لولاية أولياءهم إلّا الاسم فقط ، لا ينفعون ولا يضرّون ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا . ومورد المثل هو اتّخاذ المشركين آلهة من دون اللّه ، فتبديل الآلهة بالأولياء لكون السّبب الدّاعي إلى اتّخاذ الآلهة زعمهم أنّ لهم ولاية لأمرهم وتدبيرا لشأنهم ، من جلب الخير إليهم ، ودفع الشّرّ عنهم ، والشّفاعة في حقّهم .