مجمع البحوث الاسلامية
162
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فلا علم لي بالغيب . والثّاني : أنّ مراده من السّؤال عنها : لم عبدت الأصنام ، ولم لم يعبد اللّه إن كان الحقّ ما وصفت ؟ والثّالث : أنّ مراده : مالها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى ؟ فقال : علمها عند اللّه ، أي علم أعمالها . وقيل : الهاء في ( علمها ) كناية عن القيامة ، لأنّه سأله عن بعث الأمم ، فأجابه بذلك . ( 5 : 291 ) نحوه القرطبيّ . ( 11 : 205 ) الفخر الرّازيّ : وأمّا قوله تعالى : قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى فاعلم أنّ في ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوها : أحدها : أنّ موسى عليه السّلام لمّا قرّر على فرعون أمر المبدإ والمعاد ، قال فرعون : إن كان إثبات المبدإ في هذا الحدّ من الظّهور فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ما أثبتوه وتركوه ؟ فكان موسى عليه السّلام لما استدلّ بالدّلالة القاطعة على إثبات الصّانع ، قدح فرعون في تلك الدّلالة ، بقوله : إن كان الأمر في قوّة هذه الدّلالة - على ما ذكرت - وجب على أهل القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها ، فعارض الحجّة بالتّقليد . وثانيها : أنّ موسى عليه السّلام هدّد بالعذاب أوّلا في قوله : إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى طه : 48 ، فقال فرعون : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ، فإنّها كذّبت ، ثمّ إنّهم ما عذّبوا ؟ وثالثها ، وهو الأظهر : أنّ فرعون لمّا قال : فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى طه : 49 ، فذكر موسى دليلا ظاهرا وبرهانا باهرا على هذا المطلوب ، فقال : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى طه : 50 ، فخاف فرعون أن يزيد في تقرير تلك الحجّة ، فيظهر للنّاس صدقه وفساد طريق فرعون ، فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام وأن يشغله بالحكايات ، فقال : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ؟ فلم يلتفت موسى عليه السّلام إلى ذلك الحديث بل قال : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ طه : 52 ، ولا يتعلّق غرضي بأحوالهم فلا أشتغل بها . ثمّ عاد إلى تتميم كلامه الأوّل وإيراد الدّلائل الباهرة على الوحدانيّة ، فقال : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا طه : 53 ، وهذا الوجه هو المعتمد في صحّة هذا النّظم . ( 22 : 66 ) أبو حيّان : [ قال نحو الزّمخشريّ وابن الجوزيّ والفخر الرّازيّ إلّا أنّه أضاف : ] وقيل : سأله عن أخبارها وأحاديثها ليختبر أهما نبيّان أو هما من جملة القصّاص الّذين دارسوا قصص الأمم السّالفة ، ولم يكن عنده عليه السّلام علم بالتّوراة ، إنّما أنزلت عليه بعد هلاك فرعون ، فقال : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي طه : 52 . ( 6 : 247 ) نحوه الآلوسيّ . ( 16 : 203 ) أبو السّعود : [ ذكر الوجه الثّالث كما في كلام الفخر الرّازيّ ثمّ أضاف : ] وأمّا ما قيل : من أنّه سأله عن حال من خلا من القرون وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ، فيأباه قوله تعالى : قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ طه : 52 ، فإنّ معناه أنّه من الغيوب الّتي لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، وإنّما أنا عبد لا أعلم منها إلّا ما علّمنيه من الأمور