مجمع البحوث الاسلامية
878
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الدّلائل ، وإن كان لم يسمعها فإضلاله بإخفائها عنه ومنعه من الوصول إليها . فقوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ إشارة إلى الأوّل ، وهو التّهويش بينها . وقوله : « ولا تكتموا الحق » إشارة إلى الثّاني ، وهو إخفاؤها عنه . ونقول : قد جاءت الآية ( 7 ) في سياق آيات من آل عمران تخاطب أهل الكتاب ، ابتداء من قوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ آل عمران : 64 ، وانتهاء بقوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ آل عمران : 78 ، والمراد ب ( أهل الكتاب ) في ( 6 ) اليهود من بني إسرائيل ، لقوله قبلها : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ . . . البقرة : 40 ، وفي ( 7 ) اليهود والنّصارى معا ، كما يظهر من قوله قبلها : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ آل عمران : 65 . وفي الآيات الّتي قبلها وبعدها إشارة إلى أنواع من الخلط والتّمويه لأهل الكتاب ، منها ادّعاؤهم أنّ إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا ، فردّ عليهم بأنّه كان حنيفا مسلما ، وأنّ اليهوديّة والنّصرانيّة وجدتا من بعده . ومنها إضلال المسلمين والكفر بآيات اللّه والإيمان بما أنزل اللّه وجه النّهار والكفر به آخره ، وغير ذلك ممّا جاء في النّصوص ، فلاحظ . فلا يبعد - إذا - أنّ اللّه جمع تلك التّمويهات في لبس الحقّ بالباطل وكتمان الحقّ ، وليست الآية ( 6 ) عن هذه الآية ببعيدة ، فإنّ قوله قبلها : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا البقرة : 41 ، إشارة إلى تلك التّمويهات ، وقد بيّنها اللّه في آيات بعدها نزلت بشأن بني إسرائيل ، فلاحظ . وتعني الآيات من ( 8 ) إلى ( 17 ) ذهاب الباطل بالحقّ بصور شتّى : الأولى : ضرب المثل بماء السّماء وما يتبعه من السّيل والزّبد فيذهب جفاء ويبقى ما ينفع النّاس في ( 8 ) : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ الرّعد : 17 ، لاحظ « م ث ل » . الثّانية : ضرب المثل بإضلال أعمال الكفّار وإصلاح أعمال المؤمنين في ( 17 ) : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ محمّد : 1 - 3 . الثّالثة : تشبيه الحقّ والباطل بإيلاج اللّيل في النّهار وإيلاج النّهار في اللّيل في ( 13 ) و ( 14 ) : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الحجّ : 61 ، 62 ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ