مجمع البحوث الاسلامية

864

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

شأنان متقابلان ، وقد جرت السّنّة الإلهيّة أن يصلح ما هو صالح ويفسد ما هو فاسد ، أي أن يرتّب على كلّ منهما أثره المناسب له ، المختصّ به . وأثر العمل الصّالح أن يناسب ويلائم سائر الحقائق الكونيّة في نظامها الّذي تجري هي عليه ، ويمتزج بها ويخالطها ، فيصلحه اللّه سبحانه ويجريه على ما كان من طباعه . وأثر العمل الفاسد أن لا يناسب ولا يلائم سائر الحقائق الكونيّة فيما تقتضيه بطباعها وتجري عليه بجبلّتها ، فهو أمر استثنائيّ في نفسه ، ولو أصلحه اللّه في فساده ، كان ذلك إفسادا للنّظام الكونيّ . فيعارضه سائر الأسباب الكونيّة بما لها من القوى والوسائل المؤثّرة ، وتعيده إلى السّيرة الصّالحة إن أمكن ، وإلّا أبطلته وأفنته ومحته عن صحيفة الوجود ألبتّة . وهذه الحقيقة تستلزم أن السّحر وكلّ باطل غيره لا يدوم في الوجود ، وقد قرّرها اللّه سبحانه في كلامه في مواضع مختلفة ، كقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ البقرة : 258 ، وقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ المائدة : 108 ، وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ المؤمن : 28 ، ومنها قوله في هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يونس : 81 . ( 10 : 110 ) لا تبطلوا 1 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ . . . البقرة : 264 الماورديّ : يريد إبطال الفضل دون الثّواب . ويحتمل وجها ثانيا : إبطال موقعها في نفس المعطى . ( 1 : 338 ) ابن عطيّة : العقيدة : أنّ السّيّئات لا تبطل الحسنات ، فقال جمهور العلماء في هذه الآية : إنّ الصّدقة الّتي يعلم اللّه في صاحبها أنّه يمنّ أو يؤذي فإنّها لا تتقبّل صدقة . وقيل : بل جعل اللّه للملك عليها أمارة فلا يكتبها . وهذا حسن ، لأنّ ما نتلقّى نحن عن المعقول من بني آدم فهو أنّ المنّ المؤذي ينصّ على نفسه أنّ نيّته لم تكن للّه عزّ وجلّ - على ما ذكرناه قبل - فلم تترتّب له صدقة ، فهذا هو بطلان الصّدقة بالمنّ والأذى . والمنّ والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها ؛ إذ لم يكشف ذلك على النّيّة في السّليمة ولا قدم فيها . ( 1 : 357 ) عبد الجبّار : وربّما قيل في قوله تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كيف يبطل ذلك ؟ وجوابنا : أنّ المراد بطلان ثوابها ، بما يقع من المتصدّق من المنّ عليهم ، وأذيّة قلوبهم ، نحو أن يقول المتصدّق للفقير : ما أشدّ إبرامك وخلّصنا منكم اللّه ، إلى ما يجري هذا المجرى ، فأدّب اللّه تعالى المتصدّق بأن لا يكسر قلب الفقير ، فكما أحسن في الفعل يحسن في القول ، ولذلك مثّله : ب صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً البقرة : 264 . وأدّب أيضا بقوله : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ البقرة : 267 ، لأنّ ما ينفق للّه ، وطلبا للثّواب يجب أن لا تكون منزلته دون