مجمع البحوث الاسلامية
865
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
منزلة ما يتلذّذ به في الدّنيا ، وهذا تأديب حسن . وأدّب أيضا بقوله : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ البقرة : 268 ، فيبعث على البخل وترك الصّدقة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا البقرة : 268 ، فيبعثكم على الصّدقة وعلى خلاف الفحشاء والمعاصي . وبعث اللّه تعالى أيضا على إخفاء الصّدقة بقوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ البقرة : 271 ، والعلماء يقولون : إنّ الأولى في الواجب أن يظهر وفيما عداه أن يكتم ، فيكون أقرب إلى أن يكون مفعولا لذات اللّه تعالى . ( 53 ) الطّبرسيّ : ضرب تعالى مثلا لعمل المنّان وعمل المنافق جميعا ، فإنّهما إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به فإنّهما لا يستحقّان عليه ثوابا ، وهذا هو معنى « الإبطال » وهو إيقاع العمل على غير الوجه الّذي يستحقّ عليه الثّواب ، فقال : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ هذا يدخل فيه المؤمن والكافر إذا أخرجا المال للرّئاء . [ إلى أن قال : ] فقد تضمّنت الآية والآي الّتي قبلها الحثّ على الصّدقة وإنفاق المال في سبيل الخير وأبواب البرّ ، ابتغاء مرضاة اللّه ، والنّهي عن المنّ والأذى والرّياء والسّمعة والنّفاق . والخبر عن بطلان العمل بها وممّا جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عبّاس عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع : أين الّذين كانوا يعبدون النّاس ! قوموا خذوا أجوركم ممّن عملتم له ، فإنّي لا أقبل عملا خالطه شيء من الدّنيا وأهلها » . وروي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : قال رسول اللّه : « من أسدى إلى مؤمن معروفا ثمّ آذاه بالكلام أو منّ عليه ، فقد أبطل اللّه صدقته ، ثمّ ضرب فيه مثلا ، فقال : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ - إلى قوله - الْكافِرِينَ » . وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « ما من شيء أحبّ إليّ من رجل سلفت منّي إليه يد أتبعته أختها وأحسنت رقبها له ، لأنّي رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل » . ( 1 : 376 ) الفخر الرّازيّ : قال القاضي : إنّه تعالى أكّد النّهي عن إبطال الصّدقة بالمنّ والأذى ، وأزال كلّ شبهة للمرجئة بأن بيّن أنّ المراد : أنّ المنّ والأذى يبطلان الصّدقة . ومعلوم أنّ الصّدقة قد وقعت وتقدّمت ، فلا يصحّ أن تبطل ، فالمراد إبطال أجرها وثوابها ، لأنّ الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل ، فيصحّ إبطاله بما يأتيه من المنّ والأذى . واعلم أنّه تعالى ذكر لكيفيّة إبطال أجر الصّدقة بالمنّ والأذى مثلين ، فمثّله أوّلا : بمن ينفق ماله رئاء النّاس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، لأنّ بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المنّ والأذى . ثمّ مثّله ثانيا : بالصّفوان الّذي وقع عليه تراب وغبار ، ثمّ أصابه المطر القويّ ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتّى يصير كأنّه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلا . فالكافر كالصّفوان ، والتّراب مثل ذلك الإنفاق ، والوابل