مجمع البحوث الاسلامية

847

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أشار هو إليه ، وفي الجملة تصريح باستمرار بطلان تلك الإرادة ، وشرح حالها بعد شرح حال المريد وشرح أعماله ، أراد بها الحياة الدّنيا وزينتها . وأيّا مّا كان فالظّاهر أنّ ( باطل ) خبر مقدّم ، و ( ما كانوا ) هو المبتدأ . وجوّز في « البحر » كون ( باطل ) خبرا بعد خبر ، و ( ما ) مرتفعة به على الفاعليّة . وقرئ ( وبطل ) بصيغة الفعل ، أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أنّ ذاك وما يستتبعه من الحظوظ الدّنيويّة ممّا لا طائل تحته ، أو انقطع أثره الدّنيويّ فبطل مطلقا . وقرأ أبيّ ، وابن مسعود ( وباطلا ) بالنّصب ، ونسب ذلك إلى عاصم ، وخرّجه صاحب « اللّوامح » على أنّ ( ما ) سيف خطيب ، ( وباطل ) مفعول ل ( يعملون ) وفيه تقديم معمول ( كان ) ، وفيه - كتقديم الخبر - خلاف . والأصحّ الجواز لظاهر قوله تعالى : أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ سبأ : 40 ، ومن منع تأوّل . وجوّز أن يكون منصوبا ب ( يعملون ) و ( ما ) إبهاميّة صفة له ، أي باطلا أيّ باطل ، ونظير ذلك حديث « ما » على قصره : ولأمر ما جدع قصير أنفه . وأن يكون مصدرا بوزن « فاعل » وهو منصوب بفعل مقدّر ، و ( ما ) اسم موصول فاعله ، أي بطل بطلانا الّذي كانوا يعملونه ، ونظيره « خارجا » في قول الفرزدق : ألم ترني عاهدت ربّي وأنّني * لبين رتاج قائما ومقام عليّ حلفة لا أشتم الدّهر مسلما * ولا خارجا من فيّ زور كلام فإنّه أراد : ولا يخرج من فيّ زور كلام خروجا ، وفي ذلك على ما في « البحر » إعمال المصدر الّذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر . هذا ، والظّاهر أنّ الآية في مطلق الكفرة الّذين يعملون البرّ ، لا على الوجه الّذي ينبغي . وأخرج ابن جرير وابن حاتم وغيرهما عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أنّها نزلت في اليهود والنّصارى . ولعلّ المراد - كما قال ابن عطيّة - أنّهم سبب النّزول ، فيدخلون فيها ، لا أنّها خاصّة بهم ولا يدخل فيها غيرهم . وقال الجبّائيّ : هي في الّذين جاهدوا من المنافقين مع رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، جعل اللّه تعالى حظّهم من ذلك سهمهم في الغنائم ، وفيه أنّ ذلك إنّما كان بعد الهجرة ، والآية مكّيّة . وقيل : في أهل الرّياء ، يقال لقارئ القرآن منهم : أردت أن يقال : فلان قارئ ، فقد قيل : اذهب فليس لك عندنا شيء ، وهكذا لغيره من المتصدّق ، والمقتول في الجهاد ، وغيرهما ممّن عمل من أعمال البرّ لا لوجه اللّه تعالى . وربّما يؤيّد ذلك ما روي عن معاوية حين حدّثه أبو هريرة بما تضمّن ذلك فبكى ، وقال : صدق اللّه ورسوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها . . . هود : 15 ، إلى قوله سبحانه : وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . وعليه فلابدّ من تقييد قوله عزّ وجلّ : لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ . . . هود : 16 ، بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الرّيائيّة إلّا ذلك .