مجمع البحوث الاسلامية
829
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أي الضّياع والخسار ، فقد حرّمت الشّريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقيّة يعتدّ بها ورضى من يؤخذ منه ، وكذا إنفاقه في غير وجه حقيقيّ نافع . قال الأستاذ الإمام هنا : فسّر « الجلال » وغيره ( الباطل ) بالمحرّم ، وهو إحالة للشّيء على نفسه ، فإنّ اللّه حرّم الباطل بهذه الآية ، فقولهم : إنّ الباطل هو المحرّم يجعل حاصل معنى الآية إنّني جعلت المال المحرّم محرّما . والصّواب : أنّ الباطل هو ما يقابل الحقّ ويضادّه ، والكتاب يطلق الألفاظ كالحقّ والمعروف والحسنات أو الصّالحات ، وما يقابلها وهو الباطل والمنكر والسّيّئات ، ويكل فهمها إلى أهل الفطرة السّليمة من العارفين باللّغة ، ومن ذلك قوله في اليهود : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ البقرة : 61 . فحقّ فلان في المال هو الثّابت له في العرف ، وهو ما إذا عرض على العقلاء المنصفين أصحاب الفطرة السّليمة يقولون : إنّه له ، فيدخل في الباطل : الغصب والغشّ والخداع والرّبا والغبن والتّغرير . وقوله : ( بينكم ) للإشعار بأنّ المال المحرّم - لأنّه باطل - هو ما كان موضع التّنازع في التّعامل بين المتعاملين ، كأنّه واقع بين الآكل والمأكول منه ، كلّ منهما يريد جذبه لنفسه ، فيجب أن يكون المرجّح للمال بين اثنين يتنازعان فيه هو الحقّ ، فلا يجوز لأحد أن يأخذه بالباطل . ( 5 : 40 ) المراغيّ : الباطل : من البطل والبطلان ، وهو الضّياع والخسار ، وفي الشّرع : أخذ المال بدون عوض حقيقيّ يعتدّ به ، ولا رضا ممّن يؤخذ منه ، أو إنفاقه في غير وجه حقيقيّ نافع ، فيدخل في ذلك : النّصب والغشّ والخداع والرّبا والغبن ، وإنفاق المال في الوجوه المحرّمة ، والإسراف بوضع المال فيما لا يرضى به العقلاء . ( 5 : 16 ) وهناك نصوص أخرى تقدّمت في « أكل » فراجع . 3 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . . التّوبة : 34 الزّمخشريّ : معنى أكلهم بالباطل أنّهم كانوا يأخذون الرّشى في الأحكام ، والتّخفيف والمسامحة في الشّرائع . ( 2 : 186 ) ابن عطيّة : صورة هذا « الأكل » هي بأنّهم يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس ، والبيع ، وغير ذلك ممّا يوهمونهم ، أنّ النّفقة فيه ، من الشّرع والتّزلّف إلى اللّه ، وهم خلال ذلك يحتجنون تلك الأموال كالّذي ذكره سلمان في كتاب « السّير » عن الرّاهب الّذي استخرج كنزه . وقيل : كانوا يأخذون منهم من غلّاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدّين والقيام بالشّرع . وقيل : كانوا يرتشون في الأحكام ، ونحو ذلك . وقوله تعالى : ( بالباطل ) يعمّ هذا كلّه . ( 3 : 27 ) نحوه القرطبيّ . ( 8 : 122 ) أبو حيّان : لمّا ذكر أنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، ذكر ما هو كثير منهم تنقيصا من شأنهم وتحقيرا لهم ، وأنّ مثل هؤلاء لا ينبغي تعظيمهم