مجمع البحوث الاسلامية
825
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
جديدة . ويدخل في هذا الباب التّعدّي على النّاس بغصب المنفعة ، بأن يسخّر بعضهم بعضا في عمل لا يعطيه عليه أجرا ، أو ينقصه من الأجر المسمّى أو أجر المثل ، ويدخل فيه سائر ضروب التّعدّي والغشّ والاحتيال . كما يقع من السّماسرة فيما يذهبون فيه من مذاهب التّلبيس والتّدليس ؛ إذ يزيّنون للنّاس السّلع الرّديئة ، والبضائع المزجاة ، ويسوّلون لهم فيورّطونهم ، وكلّ من باع أو اشترى مستعينا بإيهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحّة ؛ بحيث لو عرف الخفايا وانقلب وهمه علما لما باع أو لما اشترى ، فهو آكل لماله بالباطل . ومن هؤلاء الموهمين باعة التّولات والتّناجيس والتّمائم « 1 » ، وكذا العزائم « 2 » وختمات القرآن والعدد المعلوم من سورة ( يس ) أو بعض الأذكار . وقد بلغ من هزؤ هؤلاء بالدّين أن كان بعض المشهورين منهم يبيع سورة ( يس ) لقضاء الحاجات أو لرحمة الأموات ، يقرؤها مرّات كثيرة ، ويعقد لكلّ مرّة عقدة في خيط يحمله حتّى إذا ما جاءه طالب ابتياع القراءة وأخذ منه الثّمن بعد المساومة ، يحلّ له من تلك العقد ، بقدر ما يطلب من العدد . ذكر هذه الواقعة الأستاذ الإمام في الدّرس ، وقد كنّا نسمع عن رؤساء بعض النّصارى نحو هذا في بيع العبادة الّتي يسمّونها القداديس فنسخر منهم ، حتّى علمنا أنّنا قد اتّبعنا سنّتهم شبرا بشبر ، حتّى دخلنا في جحر الضّبّ الّذي دخلوه . قال الأستاذ : إن كلّ أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال النّاس بالباطل ، وقد مضى الصّدر الأوّل « 3 » ولم يكن أخذ الأجر على عبادة ما معروفا ، ولا يوجد في كلام أهل القرن الأوّل والثّاني كلمة تشعر بذلك ، ثمّ لا يعقل أن تحقّق العبادة وتحصل بالأجرة ، لأنّ تحقّقها إنّما يكون بالنيّة وإرادة وجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته بامتثال أمره ، ومتى شاب هذه النّيّة شائبة من حظّ الدّنيا خرج العمل عن كونه عبادة خالصة للّه ، واللّه تعالى لا يقبل إلّا ما كان خالصا من الحظوظ والشّوائب . أقول : وقد ورد على لسان الشّارع تسمية مثل هذا العمل « شركا » ففي حديث مسلم وغيره ، قال اللّه تعالى : أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ، إذا كان يوم القيامة أتي بصحف مختمة ، فتنصبّ بين يدي اللّه تعالى ، فيقول اللّه لملائكته : اقبلوا هذا وألقوا هذا ، فتقول الملائكة : وعزّتك ما رأينا إلّا خيرا ، فيقول : نعم ، لكن كان لغيري ، ولا أقبل اليوم إلّا ما ابتغي به وجهي . وفي رواية يقولون : ما كتبنا إلّا ما عمل . . . إلخ . وفي حديث أحمد والتّرمذيّ وابن ماجة : إذا جمع اللّه الأوّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه ، نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله للّه أحدا فليطلب ثوابه من عنده ، فإنّ اللّه أغنى الشّركاء عن الشّرك . وإنّما يظهر تأويل مثل هذا فيمن قصد العبادة والأجر معا ؛ بحيث لو لم يستأجر للقراءة مثلا لقرأ . وأمّا
--> ( 1 ) كلّها السّحر أو خرز السّحر وما أشبهها . ( 2 ) مفردها : العزيمة وهي الرّقية . ( 3 ) يعني عصر صدر الإسلام .