مجمع البحوث الاسلامية

826

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

من لا يقصد إلّا الأجرة ، فإذا لم تكن لا يقرأ تلك الختمة أو العدد من السّورة أو الذّكر فأمره أقبح ، وذنبه أكبر ، وعمله باطل لا يعتدّ به شرعا ، فدافع الأجر عليه خاسر لماله ، وآخذه منه خاسر لمآله ، ومثل قصد الأجرة الماليّة الرّياء ، فإنّه منفعة معنويّة . وقد فرّق بعض الفقهاء بين قراءة القرآن وتعليمه ، فأجاز أخذ الأجرة على تعليمه كتعليم العلم ، لأنّ الاشتغال بالتّعليم يصدّ عن التّفرّغ للكسب من الوجوه الأخرى ، فإذا لم نجز المعلّم يتعسّر علينا أن نجد من يتصدّى لتعليم الأولاد ، وليس زمننا كزمان السّلف يتفرّغ فيه النّاس لنشر العلم وإفادته ، تعبّدا للّه وتقرّبا إليه . قال الأستاذ الإمام : من علّم العلم والدّين بالأجرة فهو كسائر الصّنّاع والأجراء ، لا ثواب له على أصل العلم بل على إتقانه والإخلاص فيه والنّصح لمن يعلّمهم . وأذكر أنّني سمعته في وقت آخر يقول : ينبغي للمعلّم الّذي يعطي راتبا من الأوقاف الخيريّة أن يأخذ إذا كان محتاجا لأجل سدّ الحاجة ، لا يقصد الأجرة على التّعليم ؛ وبذلك يكون عابدا للّه تعالى بالتّعليم نفسه ، وعلامته أن يستعفف إذا هو استغنى ، فلا يأخذ من الوقف شيئا . وقالوا في المؤذّن مثل ما قالوا في معلّم القرآن ، ويأتي فيه من القصد والنّيّة ما ذكر في المعلّم . ولا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على جواب السّائل عن مسألة دينيّة تعرض له ؛ إذ الإجابة فريضة على العارفين ، وكتمان العلم محرّم عليهم ، ولبسط هذه الأحكام موضع آخر . وجملة القول : إنّ أكل أموال النّاس بالباطل يتحقّق في كلّ أخذ للمال بغير رضى من المأخوذ منه ، لا شائبة للجهل أو الوهم أو الغشّ أو الضّرر فيه . وممّا تعرض فيه هذه الشّوائب كلّها أو أكثرها قراءة القرآن بالأجرة لأجل الموتى ، أو دفع ضرر الجنّ ، أو غيره عن الأحياء . والّذي يعطي الأجرة عليها يجهل ذلك ، ويتوهّم أنّها تكون سببا لنفع الميّت أو الحيّ ، أو دفع ضرر العذاب في الآخرة ، أو الجنّ في الدّنيا مثلا ، والجاهل بالشّرع في المسألة عرضة لقبول الإيهام والغشّ من الدّجّالين والمحتالين . وليس كذلك إقراء القرآن في البيوت لأجل اتّعاظ أهلها وتقوية شعور الإيمان بسماعه ، بل هذا كتعليم العلم الّذي بسّطناه آنفا ، وينبغي أن يكون كرام القرّاء بغير صفة الأجرة . ذكر « الأكل » مجملا عامّا ثمّ بيّن نوعا منه خصّه بالنّهي عنه مع دخوله في العامّ ، لما يقع من الشّبهة فيه لبعض النّاس ؛ إذ يعتقد بعضهم أنّ الحاكم الّذي هو نائب الشّارع في بيان الحقّ ومنفّذ الشّرع إذا حكم الإنسان بشيء ولو بغير حقّ ، فإنّه يحلّ له ولا يكون من الباطل . ( 2 : 195 - 199 ) الطّباطبائيّ : ( الباطل ) : يقابل الحقّ الّذي هو الأمر الثّابت بنحو من الثّبوت . ( 2 : 52 ) محمّد حسنين مخلوف : ( الباطل ) : الذّاهب الزّائل . والمراد هنا : كلّ ما لم يبح الشّرع أخذه من المال وإن طابت به النّفس ، كالرّبا والميسر ، وثمن الخمر والرّشوة ، وشهادة الزّور ، واليمين الكاذبة ، والغشّ