مجمع البحوث الاسلامية
824
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وما يستبيحونه من الأموال بالباطل ، كما قال تعالى : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا البقرة : 174 ، لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ آل عمران : 75 ، أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ المائدة : 42 . وأن يكونوا مخالفيهم قولا وفعلا وصوما وفطرا وكسبا واعتقادا ، ولذلك ورد : لما ندب إلى السّحور خالفوا اليهود . وكذلك أمرهم في الحيض مخالفتهم ؛ إذ عزم الصّحابة على اعتزال الحيض إذ نزل فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ البقرة : 222 ، لا عتزال اليهود بأن لا يؤاكلوهنّ ولا يناموا معهنّ في بيت ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : افعلوا كلّ شيء إلّا النّكاح . فقالت اليهود : ما يريد هذا الرّجل أن يترك من أمرنا شيئا إلّا خالفنا فيه . ( 2 : 55 ) البروسويّ : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بهوى النّفس والحرص والشّهوة والإسراف على الغفلة ، وكلوا بالحقّ والقناعة والتّقوية على الطّاعة والقيام بالعبوديّة . ( 1 : 303 ) الآلوسيّ : المراد من ( الباطل ) الحرام كالسّرقة والغصب ، وكلّ ما لم يأذن بأخذه الشّرع . ( 2 : 70 ) رشيد رضا : ( الباطل ) هو ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقيّ ، وهو من البطل والبطلان ، أي الضّياع والخسار ، فقد حرّمت الشّريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقيّة يعتدّ بها ، ورضاء من يؤخذ منه ، وكذلك إنفاقه في غير وجه حقيقيّ نافع . قال الأستاذ الإمام : ومن ذلك تحريم الصّدقة على القادر على كسب يكفيه ، وإن تركه حتّى نزل به الفقر اعتمادا على السّؤال . ونقول : إنّها كما حرّمت إعطاءه حرّمت عليه الأخذ إذا هو أعطاه معط ، فلا يحلّ لمسلم أن يقبل صدقة وهو غير مضطرّ إليها ، ولا للمضطرّ إلّا إذا كان عاجزا عن إزالة اضطراره بسعيه وكسبه . أقول : وأبلغ من هذا وذاك ما ذكره الفقهاء من أنّه لا يجب على العاري الّذي لا يجد ما يستر عورته في الصّلاة أن يستعير ثوبا يصلّي فيه أو يقبله صدقة ممّن يبذله له ، لما في ذلك من المنّة الّتي لا يكلّفه الإسلام احتمالها ، وله أن يصلّي عاريا . قال : ومنه تحريم الرّبا ، لأنّه أكل لأموال النّاس بدون مقابل من صاحب المال المعطي ، ومثّل لذلك بما يقع في النّاس كثيرا من أكل الرّبا أضعافا مضاعفة ، وفرق بينه وبين السّلم . وقال : إنّ روح الشّريعة تعلّمنا بمثل هذه الآية أنّه يطلب من الإنسان أن يكتسب المال من الطّرق الصّحيحة المشروعة الّتي لا تضرّ أحدا ، وإنّما أجمل وأوجز القرآن في الباطل ، لأنّه من الأمور المعروفة للنّاس بوجوهه الكثيرة ، وحسب المسلم أن يكفّ عن كلّ ما يعتقد أنّه باطل . على أنّه بيّن هذا الإجمال في أمور قد تخفى على النّاس كالإدلاء إلى الحكّام الآني ، وكتحريم الرّبا ، أي ربا الفضل المنهيّ عنه في الحديث دون ربا النّسيئة المحرّم بنصّ القرآن ، فهو لا خفاء في بطلانه ، لأنّه زيادة في المال لأجل التّأخير ، في أجل الدّين الّذي استهلك لا لمنفعة