مجمع البحوث الاسلامية
823
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزّنى واللّواط والقمار ، أو إلى السّرف المحرّم ، وكلّ هذه الأقسام داخلة تحت قوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ . ( 5 : 128 ) القرطبيّ : فيه مسائل : الأولى : الخطاب بهذه الآية يتضمّن جميع أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حقّ ، فيدخل في هذا : القمار والخداع والغصوب ، وجحد الحقوق ، وما لا تطيب به نفس مالكه ، أو حرّمته الشّريعة وإن طابت به نفس مالكه ، كمهر البغيّ ، وحلوان الكاهن ، وأثمان الخمور والخنازير ، وغير ذلك . ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع ، لأنّ الغبن كأنّه هبة ، على ما يأتي بيانه في سورة النّساء . وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهيّ لما كان كلّ واحد منهما منهيّا ومنهيّا عنه ، كما قال : تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ . . . البقرة : 85 ، وقال قوم : المراد بالآية وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي في الملاهي والقيان والشّرب ، والبطالة ، فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين . الثّانية : من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشّرع فقد أكله بالباطل ، ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنّك مبطل ، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي ، لأنّه إنّما يقضي بالظّاهر ، وهذا إجماع في الأموال . [ إلى أن قال : ] الثّالثة : وهذه الآية متمسّك كلّ مؤالف ومخالف في كلّ حكم يدعونه لأنفسهم بأنّه لا يجوز ، فيستدلّ عليه بقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ؛ فجوابه أن يقال له : لا نسلّم أنّه باطل حتّى تبيّنه بالدّليل ، وحينئذ يدخل في هذا العموم ، فهي دليل على أنّ الباطل في المعاملات لا يجوز ، وليس فيها تعيين الباطل . ( 2 : 337 - 339 ) أبو حيّان : مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة ، وذلك أنّ من يعبد اللّه تعالى بالصّيام فحبس نفسه عمّا تعوّده من الأكل والشّرب والمباشرة بالنّهار ، ثمّ حبس نفسه بالتّقييد في مكان تعبّد اللّه تعالى صائما له ممنوعا من اللّذّة الكبرى باللّيل والنّهار ، وجدير أن لا يكون مطعمه ومشربه إلّا من الحلال الخالص الّذي ينوّر القلب ويزيده بصيرة ، ويفضي به إلى الاجتهاد في العبادة ، فلذلك نهى عن أكل الحرام المضيّ به إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه . وتخلّل أيضا بين آيات الصّيام آية إجابة سؤال الدّاعي وسؤال العباد اللّه تعالى ، وقد جاء في الحديث : أنّ من كان مطعمه حراما وملبسه حراما . ومشربه حراما ، ثمّ سأل اللّه ، أنّى يستجاب له . فناسب أيضا النّهي عن أكل المال الحرام . ويجوز أن تكون المناسبة أنّه لمّا أوجب عليهم الصّوم كما أوجبه على من كان قبلهم ، ثمّ خالف بين أهل الكتاب وبينهم ، فأحلّ لهم الأكل والشّرب والجماع في ليالي الصّوم ، أمرهم أن لا يوافقوهم في أكل الرّشاء من ملوكهم وسفلتهم ، وما يتعاطونه من الرّبا ،