مجمع البحوث الاسلامية
742
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مكّيّة ، ويخطر بالبال أنّ القرآن في مكّة كان يركّز أسلوبه في إيقاظ الضّمائر وبعث البصائر ، ويعتمد على ما أودعه اللّه تعالى في النّفوس من الفطرة السّليمة الصّادقة ، وفي القلوب من البصيرة الواعية ، وهذا هو المناسب لبدء البعثة . ثانيا : جاءت الثّلاثة الأولى منها بشأن نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وآله والقرآن ، والأخيرتان بشأن موسى عليه السّلام وما آتاه اللّه من الآيات التّسع ومن التّوراة ، فقد فضّل النّبيّ وآياته على موسى وآياته بواحدة في البصائر ، وأمّا البصيرة فخاصّة بالنّبيّ ، والنّسبة بينهما في هذه الموهبة الكبرى كنسبة 5 / 2 . ثالثا : قيّدت « البصائر » في ( 1 ) و ( 2 ) ب ( من ربّكم ) - مع سبقها في ( 2 ) ب « من ربّى » - وفي ( 4 ) ب رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وأطلقت في ( 3 ) و ( 5 ) فرجّح جانب النّبيّ أيضا على جانب موسى بواحدة ، مع البون الشّاسع بين « ربّكم » و « ربّى » وبين « ربّ السّماوات والأرض » ، ففضل النّبيّ والنّاس على السّماوات والأرض واضح ، لأنّ النّاس ذوو عقول والنّبيّ عقل كلّه ، وهذا هو الفارق بين أمّة محمّد وأمّة موسى عليهما السّلام . رابعا : جاءت « البصائر » في الجميع نكرة ، تنبيها على كبرها ، وأنّها لا تقدّر بقدر ، مع تفاوت بينها . فما جاء بشأن النّبيّ والقرآن فكلّه مرفوع ركنا في الكلام ، إمّا فاعلا للفعل ( 1 ) ، أو خبرا للمبتدأ ( 2 ) و ( 3 ) . وما جاء في شأن موسى ( 4 ) و ( 5 ) منصوب ، إمّا حالا أو مفعولا لأجله ، قيدا دون ركن ، وفي ذلك تفضيل جانب النّبيّ على جانب موسى أيضا . خامسا : أنّ من جاءته البصائر هو أمّة محمّد مرّتين في ( 1 ) و ( 2 ) ، وبنو إسرائيل مرّة واحدة في ( 4 ) ، والنّاس مرّتين في ( 3 ) و ( 5 ) ، وفيهما أيضا تفضيل للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله . سادسا : جاء « هُدىً وَرَحْمَةً » عطفا على « بصائر » مرّتين في شأن النّبيّ : ( 2 ) و ( 3 ) ، ومرّة في شأن موسى : ( 5 ) ، وفيه تفضيل للنّبيّ واعتراف بتوراة موسى بأنّها مثل القرآن : بصائر وهدى ورحمة للنّاس . وهذا إنصاف من اللّه في كتابه للنّبيّين بإعطاء كلّ منهما ما يستحقّه ، مع بيان التّفاضل بينهما بأمور : 1 - ذكر « هُدىً وَرَحْمَةً » للنّبيّ مرّتين ولموسى مرّة . 2 - تعلّق ما خصّ منهما بالنّبيّ مرّة ب « قوم يؤمنون : » ( 2 ) ، وأخرى ب « قوم يوقنون : » ( 3 ) ، وإطلاقهما في ما يختصّ بموسى : ( 5 ) ، وجاء بدلهما لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، والبون بين ذلك شائع . 3 - قران ما جاء في شأن موسى في ( 4 ) بذكر فرعون ، العدوّ اللّدود لموسى مرّتين ، وبالجدال العنيف بينهما بقول فرعون : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ، وبقول موسى : وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ، مثلا بمثل ، ولفظا بلفظ . وكذلك قرانه في ( 5 ) بقوله : مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى ، وكلّ ذلك ممّا يعكّر الجوّ ويثير الفوضى في القول ، ويبعث على اضطراب القلب . أمّا ما جاء في شأن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فليس فيه تشديد وغلظة من هذا النّوع ، سوى قوله في ( 1 ) بكلام ليّن وأسلوب هادئ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . سابعا : حمل البصائر على الكتاب والآيات مجاز ،