مجمع البحوث الاسلامية
743
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إطلاقا للمسبّب على السّبب ، فالبصيرة نور باطنيّ يدرك به الحقّ ، والآيات تبثّ هذا النّور ، كما أنّها قد تطلق على نفس الإدراك والبيان والحجّة مجازا ، إطلاقا للسّبب على المسبّب كما سبق . ومن أجل ذلك جاء في ( 1 ) بعد ( بصائر ) : فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ تفريعا لأثر البصائر ، وهو الإبصار على علّتها وهي الآيات ، وكذلك عطف عليها هُدىً وَرَحْمَةً . وعليه فاسم الإشارة ( هذا ) في ( 2 ) و ( 3 ) راجع إلى الكتاب ، وحمل ( بصائر ) عليه مبالغة ، مثل : زيد عدل . ج - تبصرة : آية واحدة : وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ق : 7 ، 8 يلاحظ أوّلا : أنّ « التّبصرة » مصدر من باب التّفعيل كالتّذكية والتّذكرة والتّخطئة ، وقد تقدّم أنّ بصّره متعدّ ، أي جعله يبصر ، ومعنى الآية تبصيرا وتذكيرا لكم ، وجعلكم تبصرون وتتذكّرون . هذا ما يقتضيه اللّفظ ، وجاء في التّفاسير : أنّ بعضهم فسّره بالبصيرة ، وهو تفسير باللّازم لا بما يوافق اللّفظ . ثانيا : اختلفوا في إعرابه بين مفعول له - وعليه الأكثر وهو الظّاهر - ومنصوب بفعل مقدّر ، أي بصّرناهم تبصيرا ، وحال من المفعول ، أي ذات تبصير ، وشذّت قراءة زيد بن عليّ « تبصرة وذكرى » بالرّفع أي هذه تبصرة . ثالثا : جاءت قبلهما أفعال من بناء السّماء وزينتها ، وخلق الأرض وإلقاء الرّواسي فيها ، وإنبات النّبات عليها ، فالظّاهر رجوعهما إلى الجميع ، أي فعلنا كلّ ذلك تبصرة وتذكرة . واحتمل الفخر الرّازيّ أن يكونا علّتين على التّرتيب ، فيكون ( تبصرة ) علّة لخلق السّماء وما فيها ، و « ذكرى » لخلق الأرض وما عليها ، فيكون خلق السّماء تبصرة ، وخلق الأرض ذكرى ، بحجّة أنّ السّماء زينتها مستمرّة ، فهي كالشّيء المرئيّ مبصرة على مرّ الزّمان . أمّا الأرض فتأخذ زخرفها في كلّ سنة وتتجدّد ، فهي تذكرة لما مرّ عليها في الماضي . فالسّماء والأرض فيهما آيات مستمرّة منصوبة في مقابلة الأبصار ، وآيات متجدّدة مذكّرة عند النّسيان . وهذه نكتة لطيفة ، وكم من نظير لها للإمام الرّازيّ ، إلّا أنّها مبنيّة على إرادة التّبصير بالبصر من ( تبصرة ) دون القلب ، وهو بعيد ؛ إذ التّبصرة والتّذكرة كلاهما راجع إلى القلب دون البصر . وكأنّ الشّربينيّ تأثّر بالفخر ؛ حيث فسّر الآية بقوله : « أي جعلنا هذه الأشياء كلّها لأجل أن تنظروا بأبصاركم ، وتتفكّروا ببصائركم ، فتعبروا منها إلى صانعها ، فتعلموا ما له من العظمة » . لكنّه عمّمها لكلّ تلك الأفعال ، ولم يخصّ التّبصرة بالسّماء . 5 - بصر وأبصار : أ - بصر : ( 10 ) مرّات : 1 - وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ النّحل : 77 2 - إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ * وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ