مجمع البحوث الاسلامية
741
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وحجّة ناطقة ، وبيّنة واضحة . . . ثالثا : أمّا الآية الثّانية فقد اختلفت كلمات المفسّرين فيها حول لفظ ( بصيرة ) ومعناها ، فمنهم من جعلها اسما بنفس معناها في الآية الأولى ، وهو المعرفة الحقّة ، وجعل حملها على الإنسان من قبيل : زيد عدل ، مبالغة . ومنهم من جعل الإسناد مجازيّا ، أي الإنسان ذو بصيرة على نفسه . وكثير منهم جعلها وصفا ، أي إنّ الإنسان شاهد على نفسه ، أو بصير بحاله ، وبعيوب نفسه إذا رجع إليها . فالآية سياقها سياق قوله تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً الإسراء : 14 . وهؤلاء وجّهوا تاء « البصيرة » تارة بأنّها للمبالغة كالعلّامة والنّسّابة ، وهذا مبنيّ على مجيء « فعيلة » صفة مبالغة ، وهو غير ثابت . وأخرى بأنّها نعت لاسم مؤنّث محذوف ، والتّقدير : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة . وثالثة بأنّها وصف لجوارحه ، فوضع الإنسان مكان جوارحه . وعلى هذا فالآية سياقها سياق قوله تعالى : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ النّور : 24 . وكلاهما بعيد عن السّياق جدّا ، ولا يساوقهما قوله : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ . ولنا رأي جديد نعرضه لمن يتأمّله ، وهو أنّ التّاء هنا ليست للتّأنيث حتّى نلجأ إلى توجيهها بما ذكر ، بل هي زائدة ، جاءت رعاية للفواصل بعدها ، فكلّها بالهاء إلى الآية ( 25 ) ، وليس هذا غريبا في القرآن ، فقد سبق في « إلياس » أن قلنا في سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ الصّافّات : 130 ، إنّه إلياس ، جاء « إلياسين » رعاية للرّويّ ، كما جاء وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ القارعة : 10 ، بزيادة الهاء للرّويّ أيضا . والصّواب كونها وصفا خبرا للإنسان ، أريد بها أنّ الإنسان بصير بنفسه وبعيوبها وميولها ، فهو القاضي في حقّ نفسه بنفسه . ولكن يشترط أن لا يتشبّث بالمعاذير تحريفا للحقيقة . ولهم في تركيب الآية آراء غير مقبولة ، فلاحظ . ب - البصائر : ( 5 ) مرّات : 1 - قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ * وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الأنعام : 104 ، 105 2 - قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأعراف : 203 3 - هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ الجاثية : 20 4 - وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً * قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً الإسراء : 101 ، 102 5 - وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ القصص : 43 يلاحظ أوّلا : أنّ هذه الآيات كآيتي البصيرة كلّها