مجمع البحوث الاسلامية

740

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الوصفين ، فالإنسان بصير يرى الأشياء من زاوية ضيّقة ، وهي عينه ، واللّه محيط بما وراء العالم والجنّ والإنس ، ومطّلع على كلّ صغيرة وكبيرة في الأعيان وفي الأذهان . ثانيا : قورن الأعمى والبصير في ستّ منها ، وهي ( 1 ) إلى ( 6 ) ، وهما مع الأصمّ والسّميع في ( 2 ) ، ومع السّميع في ( 7 ) ، ومع الظّلمات والنّور في ( 4 ) ، ومع الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات والمسئ في ( 5 ) ، وكلّ ذلك تركيزا في البون الشّاسع بينهما كالنّور والظّلمات والمؤمن والكافر ، وإشارة إلى أنّ المراد بهما ما يعمّ العمى والبصر ظاهرا ، والهداية والضّلالة باطنا ، وتعريفا للأشياء بأضدادها ، وهو أبلغ في الوصف . ثالثا : تختصّ الآيات ( 6 ) إلى ( 9 ) بالبصر المحسوس ، مع اشتمال ( 8 ) و ( 9 ) على معجزة سيّدنا يوسف عليه السّلام . 4 - بصيرة وبصائر وتبصرة : أ - بصيرة : آيتان : 1 - قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يوسف : 108 2 - بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ القيمة : 14 ، 15 يلاحظ أوّلا : أنّ « بصيرة » تأتي اسما وصفة ، ولا تأتي مصدرا ، لأنّ المصدر لم يأت على « فعيلة » ، وإنّما جاء على « فعيل » ، مثل : رحل رحيلا ، وصهل صهيلا . أمّا الاسم فجاء بمعان محسوسة : كالدّرع والحلقة منه ، ومقدار الدّرهم من الدّم المدوّر على الأرض ، والثّوب الّذي يشبه التّرس ، والدّية تحفظ النّفس بها ، والشّقّ الّذي على الخباء ، وما بين شقّتي البيت ، وغيرها ممّا جاء في النّصوص ، وجامعها - كما يخطر بالبال - كلّ ما اتّخذ جنّة وسترا . وجاء بمعان معقولة ، مثل : ما اعتقد في القلب من الدّين ، والفراسة الصّادقة ، والعبرة ، والثّبات في الدّين ، والحجّة الواضحة ، وعلم اليقين ، والمعرفة الحقّة ، والدّلالة الّتي توجب العلم . وكلّها راجعة إلى معنى واحد ، وهو نور في القلب يميّز الحقّ عن الباطل ، مثل نور البصر في العين ، ترى به الأجسام ، وقد أطلقت عليه « البصيرة » لأنّه سبب الإدراك وآلته ، كما يطلق البصر على الجارحة ، لأنّه آلة الرّؤية . والبصيرة - على هذا - : اسم آلة كالمبصر والمبصرة بالفتح ، وجمع البصيرة : بصائر ، كصحيفة وصحائف وظريفة وظرائف ، وجمع البصر : أبصار . فالفرق بين البصر والبصيرة هو الفرق بين العين والقلب . قال الزّمخشريّ : « من المجاز البصيرة : البيان والحجّة الواضحة والعبرة والشّاهد » . وجعلها مجازا ، لأنّها في الأصل اسم لما تدرك به هذه الأمور . وقال غيره : « استعير لفظ « البصيرة » من القوّة المودعة في القلب لإدراك المعقولات لكونها سبب الإدراك » . وأمّا الصّفة فهي مؤنّث « بصير » ، وسنتناولها بالبحث . ثانيا : جاءت البصيرة في الآية الأولى بهذا المعنى دون غيره ، وإن اختلفت ألفاظ المفسّرين في تفسيرها ، أي إنّي أدعو إلى اللّه على بصيرة ، أي على يقين ومعرفة ،