مجمع البحوث الاسلامية

716

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كلّ ما ذكر في الآخر اكتفاء بالمذكور عن المتروك ، وفيه على هذا صنعة الاحتباك . والآية شائعة في التّمثيل بها لذلك ، وهو الظّاهر فيها ، وإن كان أمرا غير ضروريّ . ومن هنا ذهب جمع إلى أنّه لا احتباك فيها ، والعدول عن « لتبصروا فيه » الّذي يقتضيه ما قبل إلى ما في النّظم الجليل ، للتّفرقة بين الظّرف المجرور والظّرف الّذي هو سبب يتوقّف عليه في الجملة . وإسناد « الإبصار » إلى النّهار مجازيّ . ( 11 : 154 ) رشيد رضا : ( النّهار ) جعله مضيئا ذا إبصار لتنتشروا في لأرض ، وتقوموا بجميع أعمال العمران والكسب ، والشّكر للرّبّ . فالمبصر هنا : معطي الإبصار ، سببه حسّيّا كان أو معنويّا ، فالأوّل : قوله تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ الإسراء : 12 . والثّاني : قوله : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً الإسراء : 59 ، أي آية مفيدة للبصيرة والحجّة على صدق رسولهم ، ومثله قوله : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ النّمل : 13 . ( 11 : 454 ) الطّباطبائيّ : الآية تتمّم البيان الّذي أورد في الآية السّابقة لإثبات ربوبيّته تعالى ، والرّبوبيّة - كما تعلم - هي الملك والتّدبير ، وقد ذكر ملكه تعالى في الآية السّابقة ، فبذكر تدبير من تدابيره العامّة في هذه الآية تصلح به عامّة معيشة النّاس ، وتستبقى به حياتهم ، يتمّ له معنى الرّبوبيّة . وللإشارة إلى هذا التّدبير ذكر مع ( الّيل ) سكنهم فيه ، ومع ( النّهار ) إبصارهم فيه ، الباعث لهم إلى أنواع الحركات والتّنقّلات لكسب موادّ الحياة ، وإصلاح شؤون المعاش ، فليس يتمّ أمر الحياة الإنسانيّة بالحركة فقط أو بالسّكون فقط ، فدبّر اللّه سبحانه الأمر في ذلك بظلمة اللّيل الدّاعية إلى تجديد تجهيز القوى ، بعد ما لحقها من العيّ والتّعب والنّصب ، وإلى الارتياح والأنس بالأهل ، والتّمتّع ممّا جمع واكتسب بالنّهار ، والفراغ للعبوديّة ، وبضوء النّهار الباعث إلى الرّؤية فالاشتياق فالطّلب . ( 10 : 94 ) وبهذا المعنى جاء كلمة ( مبصرا ) في سورة النّمل : 86 . 2 - اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً . . . المؤمن : 61 الطّبريّ : يقول : وجعل ( النّهار مبصرا ) من اضطرب فيه لمعاشه ، وطلب حاجاته ، نعمة منه بذلك عليكم . ( 24 : 80 ) الطّوسيّ : تبصرون فيه مواضع حاجاتكم ، فجعله ( مبصرا ) لما كان يبصر فيه المبصرون . ( 9 : 91 ) الزّمخشريّ : من الإسناد المجازيّ ، لأنّ الإبصار - في الحقيقة - لأهل النّار . فإن قلت : لم قرن ( الّيل ) بالمفعول له ( والنّهار ) بالحال ، وهلّا كانا حالين أو مفعولا لهما ، فيراعى حقّ المقابلة ؟ قلت : هما متقابلان من حيث المعنى ، لأنّ كلّ واحد منهما يؤدّي مؤدّى الآخر ، ولأنّه لو قيل : « لتبصروا