مجمع البحوث الاسلامية
557
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
جزء من النّبوّة » . وعن ابن مسعود : الرّؤيا ثلاثة : الهمّ يهمّ به الرّجل من النّهار فيراه في اللّيل ، وحضور الشّيطان ، والرّؤيا الّتي هي الرّؤيا الصّادقة . وعن إبراهيم : الرّؤيا ثلاثة : فالمبشّرة من اللّه جزء من سبعين جزء من النّبوّة ، والشّيء يهمّ به أحدكم بالنّهار فلعلّه يراه باللّيل ، والتّخويف من الشّيطان . فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل : أعوذ بما عاذت به ملائكة اللّه من شرّ رؤياي الّتي رأيتها أن تضرّني في دنياي أو في آخرتي . واعلم أنّا إذا حملنا قوله : لَهُمُ الْبُشْرى على الرّؤيا الصّادقة ، فظاهر هذا النّصّ يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلّا لهم ، والعقل أيضا يدلّ عليه ؛ وذلك لأنّ وليّ اللّه هو الّذي يكون مستغرق القلب والرّوح بذكر اللّه . ومن كان كذلك فهو عند النّوم لا يبقى في روحه إلّا معرفة اللّه ، ومن المعلوم أنّ معرفة اللّه ونور جلال اللّه لا يفيده إلّا الحقّ والصّدق . وأمّا من يكون متوزّع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنّه إذا نام يبقى كذلك فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السّبب قال : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا على سبيل الحصر والتّخصيص . القول الثّاني : في تفسير ( البشرى ) أنّها عبارة عن محبّة النّاس له ، وعن ذكرهم إيّاه بالثّناء الحسن . عن أبي ذرّ قال : قلت : يا رسول اللّه إنّ الرّجل يعمل العمل للّه ويحبّه النّاس ، فقال : « تلك عاجل بشرى المؤمن » . [ إلى أن قال : ] والقول الثّالث في تفسير ( البشرى ) : أنّها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت ، قال تعالى : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ فصّلت : 30 . وأمّا البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم ، كما قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ الرّعد : 24 ، 25 ، وسلام اللّه عليهم كما قال : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ يس : 58 ، ويندرج في هذا الباب ما ذكره اللّه في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصّحائف بأيمانهم ، وما يلقون فيها من الأحوال السّارّة ، فكلّ ذلك من المبشّرات . والقول الرّابع : إنّ ذلك عبارة عمّا بشّر اللّه عباده المتّقين في كتابه ، وعلى ألسنة أنبيائه من جنّته وكريم ثوابه ، ودليله قوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ . واعلم أنّ لفظ « البشارة » مشتقّ من خبر سارّ ، يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكلّ ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصّفة ، فيكون الكلّ داخلا فيه ، فكلّ ما يتعلّق من هذه الوجوه بالدّنيا فهو داخل تحت قوله : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وكلّ ما يتعلّق بالآخرة فهو داخل تحت قوله : وَفِي الْآخِرَةِ . ( 17 : 127 ) أبو السّعود : وقوله عزّ وجلّ : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا تفسيرا لتولّيه تعالى إيّاهم ، ولا ريب في أنّ اعتبار القيد الأخير في مفهوم الولاية غير مناسب لمقام ترغيب المؤمنين في تحصيلها والثّبات عليها