مجمع البحوث الاسلامية
558
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وبشارتهم بآثارها ونتائجها مخلّ بذلك إذ التّحصيل إنّما يتعلّق بالمقدور والاستبشار لا يحصل إلّا بما علم بوجود سببه والقيد المذكور ليس بمقدور لهم حتّى يحصّلوا الولاية بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند حصوله حتّى يعرفوا حصول الولاية لهم ويستبشروا بمحاسن آثارها بل التّولّي بالكرامة عين نتيجة الولاية فاعتباره في عنوان الموضوع ثمّ الإخبار بعدم الخوف والحزن ممّا لا يليق بشأن التّنزيل الجليل ، فالّذي يقتضيه نظمه الكريم أنّ الأوّل تفسير للأولياء حسبما شرح والثّاني بيان لما أولاهم من خيرات الدّارين بعد بيان إنجائهم من شرورهما ومكارههما ، والجملة مستأنفة كما سبق كأنّه قيل : هل لهم وراء ذلك من نعمة وكرامة ؟ فقيل لهم ما يسرّهم في الدّارين ، وتقديم الأوّل لما أنّ التّخلية سابقة على التّحلية مع ما فيه من مراعاة حقّ المقابلة بين حسن حال المؤمنين وسوء حال المفترين ، وتعجيل إدخال المسرّة بتبشير الخلاص عن الأهوال وتوسيط البيان السّابق بين بشارة الخلاص عن المحذور وبشارة الفوز بالمطلوب لإظهار كمال العناية بتفسير الأولياء مع الإيذان بأنّ انتفاء الخوف والحزن لاتّقائهم عمّا يؤدّي إليهما من الأسباب ، والبشرى مصدر أريد به المبشّر به من الخيرات العاجلة كالنّصر والفتح والغنيمة وغير ذلك والآجلة الغنيّة عن البيان ، وإيثار الإبهام والإجمال للإيذان بكونه وراء البيان والتّفصيل ، والظّرفان في موقع الحال منه والعامل ما في الخبر من معنى الاستقرار أي لهم البشرى حال كونها في الحياة الدّنيا وحال كونها في الآخرة أي عاجلة وآجلة ، أو من الضّمير المجرور أي حال كونهم في الحياة إلخ . ومن البشرى العاجلة : الثّناء الحسن والذّكر الجميل ومحبّة النّاس . عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه قلت : يا رسول اللّه الرّجل يعمل العمل للّه ويحبّه النّاس فقال عليه السّلام : « تلك عاجل بشرى المؤمنين » هذا وقيل : البشرى مصدر والظّرفان متعلّقان به . أمّا البشرى في الدّنيا فهي البشارات الواقعة للمؤمنين المتّقين في غير موضع من الكتاب المبين . وعن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « هي الرّؤيا الصّالحة يراها المؤمن أو ترى له » وعنه عليه الصّلاة والسّلام : « ذهبت النّبوّة وبقيت المبشّرات » وعن عطاء : لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرّحمة قال اللّه تعالى : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ فصّلت : 30 . وأمّا البشرى في الآخرة فتلقّي الملائكة إيّاهم مسلمين مبشّرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصّحائف بأيمانهم وما يقرؤون منها وغير ذلك من البشارات فتكون هذه بشارة بما سيقع من البشارات العاجلة والآجلة المطلوبة لغاياتها لا لذواتها ، ولا يخفى أنّ صرف البشارة النّاجزة عن المقاصد بالذّات إلى وسائلها ممّا لا يساعده جلالة شأن التّنزيل الكريم لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ لا تغيير لأقواله الّتي من جملتها مواعيده الواردة بشارة للمؤمنين المتّقين فتدخل فيها البشارات الواردة هاهنا دخولا أوّليّا ويثبت امتناع الإخلاف فيها ثبوتا قطعيّا ، وعلى تقدير كون المراد بالبشرى الرّؤيا الصّالحة فالمراد بعدم تبديل كلماته تعالى