مجمع البحوث الاسلامية
42
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ظهرت لهم مستوراتهم في الدّنيا من معاص وغيرها ، فكيف الظّنّ على هذا بما كانوا يعلنون به من كفر ونحوه . وينظر إلى هذا التّأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ الطّارق : 9 . ( 4 : 103 ) رشيد رضا : فيه أقوال : 1 - إنّه أعمالهم السّيّئة وقبائحهم الشّائنة ظهرت لهم في صحائفهم ، وشهدت بها عليهم جوارحهم . 2 - إنّه أعمالهم الّتي كانوا يغترّون بها ويظنّون أنّ سعادتهم فيها ؛ إذ يجعلها اللّه تعالى هباء منثورا . 3 - إنّه كفرهم وتكذيبهم الّذي أخفوه في الآخرة من قبل أن يوقفوا على النّار ، كما تقدّم حكايته عنهم في قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ الأنعام : 23 . 4 - إنّه الحقّ أو الإيمان الّذي كانوا يسرّونه ويخفونه بإظهار الكفر والتّكذيب عنادا للرّسول ، واستكبارا عن الحقّ ، وهذا إنّما ينطبق على أشدّ النّاس كفرا من المعاندين المتكبّرين ، الّذين قال في بعضهم : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا النّمل : 14 . 5 - إنّه ما كان يخفيه الرّؤساء عن أتباعهم من الحقّ الّذي جاءت به الرّسل بدا للأتباع الّذين كانوا مقلّدين لهم ، ومنه كتمان بعض علماء أهل الكتاب لرسالة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم وصفاته وبشارة أنبيائهم به . 6 - إنّه ما كان يخفيه المنافقون في الدّنيا من إسرار الكفر ، والتّظاهر بالإيمان والإسلام . 7 - إنّه البعث والجزاء ومنه عذاب جهنّم ، وإنّ إخفاءهم له عبارة عن تكذيبهم به ، وهو المعنى الأصليّ لمادّة كفر . 8 - إنّ في الكلام مضافا محذوفا ، أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر والسّيّئات ، ونزل بهم عقابه ، فتبرّموا وتضجّروا وتمنّوا التّفصّي منه بالرّدّ إلى الدّنيا ، وترك ما أفضى إليه من التّكذيب بالآيات وعدم الإيمان ، كما يتمنّى الموت من أمضّه الدّاء العضال ، لأنّه ينقذه من الآلام ، لا لأنّه محبوب في نفسه . ونحن لا نرى رجحان قول من هذه الأقوال ، بل الصّواب عندنا قول آخر . 9 - وهو أنّه يظهر يومئذ لكلّ من أولئك الّذين ورد الكلام فيهم ولأشباههم من الكفّار ما كان يخفيه في الدّنيا ممّا هو قبيح في نظره أو نظر من يخفيه عنهم ، فالّذين كفروا عنادا واستكبارا كالرّؤساء الّذين ظهر لهم الحقّ كانوا يخفون ذلك الحقّ ، ومنهم بعض علماء أهل الكتاب والمنافقون الّذين أظهروا الإيمان جبنا وضعفا أو مكرا وكيدا ، كانوا يخفون الكفر عن المؤمنين . وأصحاب الأعمال القبيحة من الفواحش والمنكرات يخفونها عمّن لا يقترفها معهم ، والّذين يعتذرون عن ترك الواجبات بالأعذار الكاذبة يخفون حقيقة حالهم عمّن يعتذرون إليهم ، والمقلّدون يخفون في أنفسهم ما يلوح فيها أحيانا من برق الدّليل المظهر لما كمن في أعماق الفطرة من الحقّ ، سواء أومض ذلك البرق من آيات اللّه في الآفاق ، وألسنة حملة الحجّة والبرهان ، أو من آيات اللّه في أنفسهم ، قبل أن تحيط بهم خطيئتهم ويختم على قلوبهم . وهؤلاء المقلّدون والعميان هم الّذين بيّنت الآيات