مجمع البحوث الاسلامية

338

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أنّهم اعتادوا أن يسمعوا من الفلاسفة أقوالا في الأمور الجليّة ، تجعلها غامضة خفيّة . وأمّا حقيقة البرق والرّعد والصّاعقة وأسباب حدوثها فليس من مباحث القرآن ، لأنّه من علم الطّبيعة - أي الخليقة - وحوادث الجوّ الّتي في استطاعة النّاس معرفتها باجتهادهم ولا تتوقّف على الوحي . وإنّما تذكر الظّواهر الطّبيعيّة في القرآن لأجل الاعتبار والاستدلال ، وصرف العقل إلى البحث الّذي يقوى به الفهم والدّين ؛ والعلم بالكون ينمى ويضعف في النّاس ، ويختلف باختلاف الزّمان . فقد كان النّاس يعتقدون في بعض الأزمنة أنّ الصّواعق تحدث من أجسام مادّيّة ، لما كان يشمّونه في محلّ نزولها من رائحة الكبريت وغيره ، ورجعوا عن هذا الاعتقاد في زمن آخر ملاحظين أنّ تلك الرّائحة لا تكون دائما في محلّ الصّاعقة . وقد ظهر في هذا الزّمان أنّ في الكون سيّالا يسمّونه الكهرباء ، من آثاره ما ترون من التّلغراف والتّليفون والتّرامواي . وهذه الأضواء السّاطعة في البيوت والأسواق ، من غير شموع ولا زيت ولا ذبال ، وإنّما تكون باتّصال سلكين دقيقين كالخيوط الّتي تخاط بها الثّياب ، أحدهما يحمل أو يوصل السّيّال الكهربائيّ الّذي يسمّونه الموجب ، والآخر يوصل السّيّال المسمّى بالسّالب ، وباتّصال السّلكين ، يتولّد النّور من تلاقي السّيّالين . وبانقطاعهما أو الفصل بينهما ينفصل السّيّالان ، فينقطع الضّوء من المصابيح والحركة من الآلات . والكهربائيّة موجودة في كلّ شيء ، والبرق في السّحاب يتولّد من اتّصال نوعيها الموجب والسّالب ، بقدرة اللّه تعالى ، كما يتولّد في الأرض بعمل الإنسان . وقد استنزل بعض علماء الكهربائيّة قبس الصّاعقة من السّحاب إلى الأرض ، والصّاعقة من أثر الكهربائيّة ، وهي تفريغ السّحاب طائفة منها في مكان لجاذب في الأرض يجذبه ، وكثيرا ما حصل الصّعق لعمّال التّلغراف ، لما بين السّحاب والأسلاك من الجاذبيّة . ومعرفة النّاس بالسّبب الحقيقيّ للصّواعق هداهم إلى حفظ الأبنية الشّاهقة منها ، باتّخاذ القضيب المعروف الّذي يسمّى قضيب الصّاعقة ، فلا تنزل الصّواعق على بناء رفع فوقه هذا القضيب ، ولا مجال في تفسير القرآن للتّطويل في أمثال هذه المسائل الطّبيعيّة ، لأنّها تطلب من فنونها الخاصّة بها ، فلنعد إلى بيان المثل . استحضر حال قوم مشاة في فلاة من الأرض نزل عليهم - بعد ما أقبل ظلام اللّيل - صيّب من السّماء قصفت رعوده ، ولمعت بروقه ، وتصوّر كيف يهوون بأصابعهم إلى آذانهم كلّما حدث قاصف من الرّعد ، ليدفعوا شدّة وقعه بسدّ منافذ السّمع برؤوس الأنامل . وعبّر عن الأنامل بالأصابع هذا التّعبير المجازيّ اللّطيف ، للإشعار بشدّة عنايتهم بسدّ آذانهم ، ومبالغتهم في إدخال أناملهم في صماليخها ، كأنّ كلّ واحد منهم يحاول بمادهمه من الخوف أن يغرس إصبعه كلّها في أذنه ، حتّى لا يكون للصّوت منفذ إلى سمعه ، لما يحذره على نفسه من الموت الزّؤام ؛ ومعالجة الحمام . وهذا هو الجبن الخالع ، ومنتهى حدود الحماقة ، لأنّ سدّ الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصّاعقة