مجمع البحوث الاسلامية

268

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

رواه مسلم وأصحاب السّنن عن النّواس بن سمعان ، وروى أحمد والدّارميّ ، وحسّنه النّوويّ في « الأربعين » عن وابصة بن معبد الجهنيّ رضي اللّه عنه أنّه قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « جئت تسأل عن البرّ » وفي رواية : « جئت تسأل عن البرّ والإثم » ؟ قلت : نعم - وكان قد جاء لأجل ذلك ، فأخبره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بما في نفسه وأجابه عنه - فقال : « استفت قلبك ؛ البرّ : ما اطمأنّت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب ، والإثم : ما حاك في النّفس وتردّد في الصّدر ، وإن أفتاك النّاس وأفتوك » . وليس هذا تفسيرا للبرّ والإثم بالمعنى الشّرعيّ ولا اللّغويّ ، وإنّما هو بيان لما يطلبه السّائل من الفرقان بين ما يشتبه من البرّ والإثم ، فيشكّ الإنسان هل هو منهما أم لا ، فأحاله صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك على ضميره ووجدانه ، وأرشده إلى الأخذ بالاحتياط الّذي تسكن إليه النّفس ، ويطمئنّ به القلب ، وإن خالف فتوى المفتين الّذين يراعون الظّواهر دون دقائق الاحتياط الخفيّة ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يجيب كلّ سائل بحسب حالته . كان الصّحابة وسائر العرب يفهمون معنى « البرّ » وإنّما كان القرآن والنّبيّ يبيّنان لهم خصال البرّ وأعماله وآياته ، وما قد يغلطون في عدّه منه ، ولذلك قال اللّه تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى البقرة : 189 ، وكانوا في الجاهليّة يأتون البيوت من ظهورها إذا كانوا محرمين بالحجّ ويعدّون هذا من النّسك والبرّ . وقال تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . . . الآية ، البقرة : 177 ، فهذا بيان لأهمّ أركان البرّ في الدّين من الإيمان والعبادات البدنيّة والماليّة والأخلاق . وقال تعالى : وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى المجادلة : 9 . فمجموع ما ورد في البرّ مصداق لما فسّره به الرّاغب : من أنّه التّوسّع في فعل الخير ، إذا أريد به ما يشمل الأفعال النّفسيّة والأخلاق الحسنة ، باعتبار ما ينشأ عنها من الأعمال . وقد قال : إنّه مشتقّ من البرّ بالفتح - الّذي هو مقابل البحر - بتصوّر سعته . وإلّا قلنا : إنّ البرّ : اسم لمجموع ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى من الإيمان والأخلاق والآداب والأعمال ، وكلّ واحد منها يعدّ خصلة أو شعبة من البرّ . ( 6 : 129 ) نحوه المراغيّ . ( 6 : 46 ) الطّباطبائيّ : المعنى واضح ، وهذا أساس السّنّة الإسلاميّة . وقد فسّر اللّه سبحانه ( البرّ ) في كلامه : بالإيمان والإحسان في العبادات والمعاملات ، كما مرّ في قوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ البقرة : 177 ، وقد تقدّم الكلام فيه . و ( التّقوى ) : مراقبة أمر اللّه ونهيه . ( 5 : 163 ) عبد المنعم الجمّال : ما اطمأنّ إليه القلب . ( 1 : 672 ) 6 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . المجادلة : 9 الطّبريّ : يعني طاعة اللّه وما يقرّبكم منه . ( 28 : 15 )