مجمع البحوث الاسلامية

249

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والنّصب . قال أبو عليّ : حجّة من رفع ( البرّ ) أن ليس يشبه الفعل ، وكون الفاعل بعد الفعل أولى من كون المفعول بعده ، وحجّة من نصب ( البرّ ) أنّه قد حكي عن بعض شيوخنا أنّه قال في هذا النّحو : أن يكون الاسم « ان » وصلتها أولى بشبهها بالمضمر ، في أنّها لا توصف كما لا يوصف المضمر ، وكأنّه اجتمع مضمر ومظهر . والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر . قال ابن جنّيّ : يجوز أن يكون إنّما نصب ( البرّ ) مع الباء ، بأن جعل الباء زائدة ، كقولهم : وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا النّساء : 171 . من نصب ( البرّ ) جعل ( أن ) مع صلتها اسم ( ليس ) أي ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه ، ومن رفع ( البرّ ) فالمعنى ليس البرّ كلّه توليتكم . وكلا المذهبين حسن ، لأنّ كلّ واحد من اسم ليس وخبرها معرفة ، فإذا اجتمعا في التّعريف تكافآ في كون أحدهما اسما والآخر خبرا ، كما تتكافأ النّكرتان ، وقد ذكرنا الوجه في ترجيح أحد المذهبين على الآخر . ( ولكنّ البرّ ) إذا شدّدت ( لكنّ ) نصبت ( البرّ ) وإذا خفّفت رفعت ( البرّ ) وكسرت النّون مع التّخفيف لالتقاء السّاكنين . وأمّا الإخبار عن ( البرّ ) ب ( من آمن ) ففيه وجوه ثلاثة : أحدها : أن يكون ( البرّ ) بمعنى البارّ ، فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل ، كما يقال : ماء غور ، أي غائر ، ورجل صوم ، أي صائم . [ ثمّ استشهد بشعر ] وثانيها : أنّ المعنى ولكن ذا البرّ من آمن باللّه ، فحذف المضاف من الاسم . وثالثها : أن يكون التّقدير : ولكن البرّ برّ من آمن باللّه ، فحذف المضاف من الخبر ، وأقام المضاف إليه مقامه . [ ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال : ] لمّا حوّلت القبلة وكثر الخوض في نسخها ، وصار كأنّه لا يراعى بطاعة اللّه إلّا التّوجّه للصّلاة ، وأكثر اليهود والنّصارى ذكرها ؛ أنزل اللّه سبحانه هذه الآية . عن أبي القاسم البلخيّ وعن قتادة : أنّها نزلت في اليهود . لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ البقرة : 177 ، بيّن سبحانه أنّ البرّ كلّه ليس في الصّلاة ، فإنّ الصّلاة إنّما أمر بها لكونها مصلحة في الإيمان وصارفة عن الفساد ، وكذلك العبادات الشّرعيّة إنّما أمر بها لما فيها من الألطاف والمصالح الدّينيّة ، وذلك يختلف بالأزمان والأوقات ، فقال : ليس البرّ كلّه في التّوجّة إلى الصّلاة . حتّى يضاف إلى ذلك غيره من الطّاعات الّتي أمر بها ، عن ابن عبّاس ومجاهد واختاره أبو مسلم . وقيل : معناه ليس البرّ ما عليه النّصارى من التّوجّه إلى المشرق ، ولا ما عليه اليهود من التّوجّه إلى المغرب ، عن قتادة والرّبيع واختاره الجبّائيّ والبلخيّ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أي لكن البرّ برّ من آمن باللّه ، كقولهم : السّخاء حاتم والشّعر زهير ، أي السّخاء سخاء حاتم والشّعر شعر زهير ، عن قطرب والزّجّاج والفرّاء واختاره الجبّائيّ . وقيل : ولكن البارّ أو ذا البرّ من آمن باللّه ، أي صدّق