مجمع البحوث الاسلامية

250

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

باللّه ، ويدخل فيه جميع ما لا يتمّ معرفة اللّه سبحانه إلّا به ، كمعرفة حدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته الواجبة والجائزة ، وما يستحيل عليه سبحانه ، ومعرفة عدله وحكمته . ( 1 : 261 ) الفخر الرّازيّ : المسألة الثّالثة : قرأ حمزة وحفص عن عاصم ( ليس البرّ ) بنصب الرّاء ، والباقون بالرّفع . قال الواحديّ : وكلا القراءتين حسن ، لأنّ اسم ( ليس ) وخبرها اجتمعا في التّعريف ، فاستويا في كون كلّ واحد منهما اسما ، والآخر خبرا . وحجّة من رفع ( البرّ ) أنّ اسم ( ليس ) مشبّه بالفاعل ، وخبرها بالمفعول ، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول . ومن نصب ( البرّ ) ذهب إلى أنّ بعض النّحويّين قال : ( ان ) مع صلتها أولى أن تكون اسم ( ليس ) لشبهها بالمضمر ، في أنّها لا توصف كما لا يوصف المضمر ، فكأن هاهنا اجتمع مضمر ومظهر . والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر ، وعلى هذا قرئ في التّنزيل قوله : فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ الحشر : 17 ، وقوله : فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا العنكبوت : 24 ، ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا الجاثية : 25 . والاختيار رفع ( البرّ ) لأنّه روي عن ابن مسعود أنّه قرأ ( ليس البرّ بان ) والباء تدخل في خبر ( ليس ) . المسألة الرّابعة : البرّ اسم جامع للطّاعات ، وأعمال الخير المقرّبة إلى اللّه تعالى ، ومن هذا برّ الوالدين ، قال تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ الانفطار : 13 ، 14 ، فجعل البرّ : ضدّ الفجور ، وقال : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ المائدة : 2 ، فجعل البرّ : ضدّ الإثم ، فدلّ على أنّه اسم عامّ لجميع ما يؤجر عليه الإنسان . وأصله من الاتّساع ، ومنه البرّ الّذي هو خلاف البحر ، لاتّساعه . المسألة الخامسة : قال القفّال : قد قيل في نزول هذه الآية أقوال : والّذي عندنا : أنّه أشار إلى السّفهاء الّذين طعنوا في المسلمين ، وقالوا : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها البقرة : 142 ، مع أنّ اليهود كانوا يستقبلون المغرب ، والنّصارى كانوا يستقبلون المشرق ، فقال اللّه تعالى : إنّ صفة البرّ لا تحصل بمجرّد استقبال المشرق والمغرب ، بل البرّ لا يحصل إلّا عند مجموع أمور : أحدها : الإيمان باللّه ، وأهل الكتاب أخلّوا بذلك ، أمّا اليهود فلقولهم : بالتّجسيم ، ولقولهم : بأنّ عزيرا ابن اللّه . وأمّا النّصارى فلقولهم : المسيح ابن اللّه ، ولأنّ اليهود وصفوا اللّه بالبخل ، على ما حكى اللّه تعالى ذلك عنهم بقوله : قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ آل عمران : 181 . وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، واليهود أخلّوا بهذا الإيمان ؛ حيث قالوا : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى البقرة : 111 ، وقالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً البقرة : 80 ، والنّصارى أنكروا المعاد الجسمانيّ ، وكلّ ذلك تكذيب باليوم الآخر . وثالثها : الإيمان بالملائكة ، واليهود أخلّوا بذلك ، حيث أظهروا عداوة جبريل عليه السّلام .