مجمع البحوث الاسلامية

241

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ثلاثة : برّ في عبادة اللّه تعالى ، وبرّ في مراعاة الأقارب ، وبرّ في معاملة الأجانب . ( 1 : 53 ) نحوه أبو السّعود ( 1 : 129 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 55 ) . أبو حيّان : وفي تفسير ( البرّ ) هنا أقوال : الثّبات على دين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم لا يتّبعونه ، أو اتّباع التّوراة وهم يخالفونها في جحدهم صفته . وروي عن قتادة وابن جريج والسّدّيّ ، أو على الصّدقة ويبخلون ، أو على الصّدق وهم لا يصدقون ، أو حضّ أصحابهم على الصّلاة والزّكاة ولا يأتونهما . ( 1 : 182 ) صدر المتألّهين : [ قال نحو الطّبرسيّ وأضاف : ] ولك أن تقول : إذا كان فعل البرّ واجبا ، والأمر به واجبا ، فلماذا وبّخهم اللّه تعالى على الأمر بالبرّ ؟ والجواب : لم يوبّخهم على الأمر بالبرّ ، وإنّما وبّخهم على ترك فعل البرّ المضموم إلى الأمر به ، لأنّ ترك البرّ ممّن يأمر به أقبح من تركه ممّن لا يأمر به . [ ثمّ استشهد بشعر ] ومعلوم أنّه لم يرد به منعه عن النّهي عن الخلق المذموم ، وإنّما نهاه عن إتيان مثله . فالمراد بالآية حثّ الواعظ على تزكية النّفس والإقبال عليها بالتّكميل ، ليقوم فيقيم ، ويكمل فيكمل . لا منع الفاسق عن الوعظ كما توهّم ، فإنّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بها لا يوجب الإخلال بالآخر . وقال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، بل يجب أن لا يكون الآمر والنّاهي مرتكبا للمحرّمات ، واشترط العدالة محتجّا بالنّقل والعقل : أمّا النّقل : فهذه الآية ، وقوله تعالى : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ الصّفّ : 2 ، 3 ، وما روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : كنّا نأمر بالخير ولا نأتيه ، وننهى عن الشّرّ ونأتيه » . وأمّا المعقول : فهو إنّه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها على كشف وجهها في أثناء الزّنى . ومعلوم أنّ ذلك مستنكر عقلا ، وإنّ هداية الغير فرع الاهتداء ، والإقامة بعد الاستقامة ، ولهذا قيل : « إنّ الإصلاح زكاة نصاب الصّلاح » . والجواب : إنّ المكلّف كما هو مأمور بفعل المعروف ، مأمور بالأمر به للغير ، وكما هو مأمور بترك المعصية ، مأمور بمنع الغير عن فعلها مطلقا . ثمّ المنع عن الجمع بين فعل المعصية ومنع الغير عنها أو أمرهم بالطّاعة يتصوّر على وجهين ، لكونه ذا جزئين . وفساد المركّب من الجزئين إمّا أن يكون لفساد أحد جزئيه بخصوصه ، أو لفساد انضمام أحدهما : بالآخر . فهاهنا ثلاثة احتمالات ، لكن أحدها وهو كون المنع متعلّقا بفعل الطّاعة ظاهر البطلان بالاتّفاق ، فبقي احتمالان آخران : أحدهما أن يكون المنع متوجّها إلى فعل المعصية ، كنسيان النّفس فيما نحن فيه . والثّاني : أن يكون متوجّها إلى الأمر بالمعروف أو النّهي عن المنكر مع فعل المعصية ؛ فيكون المنع هاهنا عن ترغيب النّاس بالبرّ مع نسيان النّفس . والحقّ في معنى الآية عندنا هو الأوّل ، لا الثّاني ،