مجمع البحوث الاسلامية
242
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فسقط احتجاج الخصم بالآيتين وبما تضمّنه حديث الإسراء . وأمّا احتجاجه العقليّ بما ذكره من المثال فلا نسلّم أنّ مجرّد إنكاره عليها على كشف وجهها مستقبح عقلا ، بل الاستقباح والاستنكار على مجموع الزّنى ، والإنكار عند التّحليل يرجع إلى فعل الزّنى ، لا إلى ذلك الإنكار . وأمّا حديث الفرعيّة ، فكلام شعريّ كما لا يخفى . وأيضا : فالصّغائر النّادرة لا تخلّ بالعدالة ، ولفاعلها أن ينهى عن المنكر ، بالاتّفاق مع اندراجه في الآيتين والحديث ، وما هو جوابكم فهو جوابنا . وأيضا : لو تمّت دلائلكم لا قتضت عدم وجوب الأمر والنّهي إلّا على المعصوم فينسدّ باب الحسبة . بقي في هذا المقام شيء ، وهو أنّ من أمر بالخير ولا يعمل به ، أو نهى عن الشّرّ وأتى به ، قد علم من حاله أنّه متساهل في دينه ، ذو وهن في اعتقاده ، وإلّا فما كان يفرغ من توبيخ نفسه إلى نصيحة غيره . ( 3 : 260 ) البروسويّ : أي الاعتراف بالنّبيّ واتّباع الأدلّة ، وهو المتوسّع في الخير من « البرّ » الّذي هو الفضاء الواسع ، والهمزة تقرير مع توبيخ وتعجيب . ( 1 : 122 ) الآلوسيّ : و ( البرّ ) : سعة المعروف والخير ، ومنه البرّ ، والبرّيّة للسّعة ، ويتناول كلّ خير . [ إلى أن قال : ] فإنّ المقصود من الأمر بالبرّ الإحسان والامتثال ، والزّجر عن المعصية . ونسيانهم أنفسهم ينافي كلّ هذه الأغراض ، ولا نزاع في كون قبح الجمع بين ذلك عقلا بمعنى كونه باطلا . فعلى هذا لا حجّة للمعتزلة في الآية على القبح العقليّ الّذي يزعمونه . بل قد ادّعى بعض المحقّقين أنّها دليل على خلاف ما ذهبوا إليه ، لأنّه سبحانه رتّب التّوبيخ على ما صدر منهم بعد تلاوة الكتاب . وكذا لا حجّة فيها لمن زعم أنّه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، لأنّ التّوبيخ على جمع الأمرين بالنّظر للثّاني فقط ، لا منع الفاسق عن الوعظ ، فإنّ النّهي عن المنكر لازم ولو لمرتكبه ، فإنّ ترك النّهي ذنب وارتكابه ذنب آخر ، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر . ثمّ إنّ هذا التّوبيخ والتّقريع وإن كان خطابا لبني إسرائيل إلّا أنّه عامّ من حيث المعنى ، لكلّ واعظ يأمر ولا يأتمر ، ويزجر ولا ينزجر ، ينادي النّاس : البدار البدار ، ويرضى لنفسه التّخلّف والبوار ، ويدعو الخلق إلى الحقّ ، وينفر عنه ، ويطالب العوامّ بالحقائق ولا يشمّ ريحها منه ، وهذا هو الّذي يبدأ بعذابه قبل عبدة الأوثان ، ويعظم ما يلقى لوفور تقصيره يوم لا حاكم إلّا الملك الدّيّان . وعن محمّد بن واسع قال : بلغني أنّ أناسا من أهل الجنّة اطّلعوا على ناس من أهل النّار ، فقالوا لهم : قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنّة ، قالوا : كنّا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها . هذا ومن النّاس من جعل هذا الخطاب للمؤمنين ، وحمل الكتاب على القرآن ، فيكون ذلك من تلوين الخطاب ، كما في يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي يوسف : 29 ، والظّاهر يبعده . ( 1 : 248 ) القاسميّ : أي بما فيه للّه رضا من القول أو الفعل .