أبي بكر جابر الجزائري
65
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
معنى الآيات : ما زال السياق في طلب هداية قوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنه بعد أن ذكرهم بعاد وما أصابها من دمار وهلاك نتيجة شركها وكفرها وإصرارها على ذلك فقال تعالى وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إلى آخر الآيات ذكرهم هنا بما هو تقريع لهم وتوبيخ إذ أراهم أن الجن خير منهم لسرعة استجابتهم للدعوة والقيام بتبليغها فقال تعالى وَإِذْ « 1 » صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ « 2 » أي اذكر لقومك من كفار مكة وغيرها إذ صرفنا إليك نفرا من الجن وهم عدد ما بين السبعة إلى التسعة من جن نصيبين وكانوا من أشراف الجن وسادتهم صرفناهم إليك أي أملناهم إليك وأنت تقرأ في صلاة الصبح ببطن نخلة بين مكة والطائف صرفناهم إليك يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا « 3 » أي أصغوا واستمعوا ولا تشوشوا ، قاله بعضهم لبعض ، فَلَمَّا قُضِيَ أي القرآن فرغ منه ، وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ أي رجعوا إلى قومهم من الجن بنصيبين ونينوى منذرين إياهم أي مخوفينهم من عذاب اللّه إذا استمروا على الشرك والمعاصي فما ذا قالوا لهم قالوا ما أخبر تعالى به عنهم قالُوا يا قَوْمَنا « 4 » إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى « 5 » وهو القرآن مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب الإلهية التي سبق نزولها كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل ، ووصفوا القرآن بما يلي يهدي إلى الحق والصواب في كل شيء اختلف فيه الناس من العقائد والديانات والأحكام ، ويهدي إلى صراط مستقيم أي طريق قاصد غير جور ألا وهو الإسلام دين الأنبياء عامة . وقالوا مبلغين منذرين يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ « 6 » وهو محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَآمِنُوا بِهِ أجيبوه إلى ما يدعو إليه من توحيد اللّه وطاعته وآمنوا بعموم رسالته وبكل ما جاء به من الهدى ودين الحق ويكون جزاؤكم على ذلك أن يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي يغفر لكم الذنوب التي بينكم وبين اللّه تعالى بسترها عليكم ولا يؤاخذكم بها ، وأما الذنوب التي بينكم وبين بعضكم بعضا فإنها لا تغفر إلا من قبل المظلوم نفسه باستسماحه أو ردّ الحق إليه ، وقوله
--> ( 1 ) الجملة معطوفة على قوله وَاذْكُرْ أَخا عادٍ وإن طلبت المناسبة بين هذه الآيات وما تقدمها في السورة فهي قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ . ( 2 ) النفر : العدد دون العشرين . ( 3 ) أَنْصِتُوا أمر بتوجيه الأسماع إلى الكلام اهتماما به لئلا يفوت منه شيء وفي الحديث : ( أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر جابرا في حجة الوداع فقال له : استنصت الناس ) قبل أن يبدأ خطبته صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 4 ) جملة : قالُوا يا قَوْمَنا الخ مبينة لقوله تعالى : مُنْذِرِينَ . ( 5 ) ظاهر الآية أنهم كانوا يهودا مؤمنين بموسى ولم يكونوا على دين عيسى عليه السّلام . ( 6 ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : استجاب لهم سبعون رجلا من قومهم فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوافقوه بالبطحاء « مكة » فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم .