أبي بكر جابر الجزائري
279
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
بن مريم كل ذلك لهداية العباد إلى ما يكملهم ويسعدهم وقوله وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ أي آتينا عيسى بن مريم الإنجيل وَجَعَلْنا فِي « 1 » قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً والرأفة اللين وأشد الرحمة . وقوله وَرَهْبانِيَّةً « 2 » ابْتَدَعُوها أي ابتدعها الذين اتبعوا عيسى ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ « 3 » أي لم يكتبها اللّه تعالى عليهم لما فيها من التشديد ولكن ما ابتدعوها الا طلبا لرضوان اللّه ومرضاته فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها حيث لم يوفوا بما التزموا به من ترك الدنيا والإقبال على الآخرة حيث تركوا النساء ولبسوا الخشن من الثياب وأكلوا الخشن من الطعام ونزلوا الصوامع والأديرة . ولهذه الرهبانية سبب مروى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما نذكره باختصار للفظه ومعناه قال كان بعد عيسى ملوك بدلوا التوراة وحرفوا الإنجيل وألزموا العامة بذلك ، وكان بينهم جماعة رفضوا ذلك التحريف للدين ولم يقبلوه ففروا بدينهم ، والتحقوا بالجبال وانقطعوا عن الناس مخافة قتلهم أو تعذيبهم لمخالفتهم دين ملوكهم المحدث الجديد فهذا الانقطاع بداية الرهبانية ، وعاش أولئك المؤمنون وماتوا وجاء جيل من أبناء الدين المحرف فذكروا سيرة الصالحين الأولين فأرادوا أن يفعلوا فعلهم فانقطعوا إلى الصوامع والأديرة ، ولكنهم جهال وعلى دين محرف مبدّل فاسد فما انتفعوا بالرهبانية المبتدعة وفسق أكثرهم عن طاعة اللّه ورسوله . وهو ما دلّ عليه قول اللّه تعالى : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وهم الأولون المؤمنون الذين فروا من الكفر والتعذيب وعبدوا اللّه تعالى بما شرع ، وقوله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ وهم الذين أتوا من بعدهم إلى يومنا هذا إذ هم يعبدون اللّه بدين محرف باطل ولم يلتزموا بالرهبنة الصادقة بالزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة . هداية الآيتين من هداية الآيتين : 1 - بيان منة اللّه على عباده بإرسال الرسل . 2 - بيان سنة اللّه في الناس وهي أنه إذا أرسل الرسل لهداية الناس يهتدى بعض ويضل بعض فيفسق .
--> ( 1 ) وذلك لأنّ عيسى عليه السّلام بعث لتهذيب نفوس بني إسرائيل واقتلاع جذور القسوة من قلوبهم تلك القسوة التي أثمرها حب الدنيا والإقبال على الشهوات والملاذ الفانية . ( 2 ) الرهبانية : نسبة إلى الراهب وهو الخائف من اللّه تعالى ، والأصل أن يقال الراهبية ، فزيدت فيها النون كما زيدت في شعراني ولحياني ورباني وكذا نصراني على غير قياس . ( 3 ) جملة : ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ مبينة لجملة ابْتَدَعُوها .