أبي بكر جابر الجزائري

206

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيات : قوله تعالى اقْتَرَبَتِ « 1 » السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يخبر تعالى أن ساعة نهاية الدنيا وفنائها وقيام القيامة قد اقتربت ، وأن القمر قد انشق معجزة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علامة من علامات الساعة ، وانشقاق القمر كان بمكة حيث طالبت قريش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمعجزة تدل على نبوته فسأل اللّه تعالى انشقاق القمر فانشق فلقتين على جبل أبى قبيس فلقة فوق الجبل وفلقة وراءه فشاهدته قريش ولم تؤمن وهو معنى قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ « 2 » مُسْتَمِرٌّ أي هذا سحر قوى شديد . قال تعالى وَكَذَّبُوا أي رسولنا وما جاءهم به من التوحيد والوحي وَاتَّبَعُوا في هذا التكذيب أَهْواءَهُمْ لا عقولهم ولا ما جاء به رسولهم . وقوله تعالى وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ « 3 » أي وكل أمر من خير أو شر مستقر بصاحبه إما في الجنة أو النار . وقوله تعالى وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ أي من أخبار الأمم السابقة وكيف أهلكها اللّه بتكذيبها رسلها وإصرارها على الشرك والكفر ، وذلك في القرآن الكريم ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ « 4 » أي جاء من الأخبار الواعظة المذكرة من قصص الأنبياء مع أممهم ما فيه زاجر عن التكذيب والمعاصي هو « 5 » حِكْمَةٌ بالِغَةٌ تامة ، والحكمة القول الذي يمنع صاحبه من التردى والهلاك بصرفه عن أسباب ذلك . وقوله تعالى فَما تُغْنِ « 6 » النُّذُرُ أي عن قوم كذبوا بالحق لما جاءهم واتبعوا أهواءهم ولم يتبعوا هدى ربهم ولا عقولهم . إذا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يا رسولنا واتركهم إلى حكم اللّه فيهم . وقوله : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ « 7 » نُكُرٍ أي اذكر يا رسولنا يوم يدعو الداع إلى شيء نكر وهو موقف القيامة خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ وكل أجسامهم وانما ذكرت الأبصار لأنها أدل على الخشوع من سائر الأعضاء يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ أي القبور جمع جدث وهو القبر كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ في كثرتهم وتفرقهم وانتشارهم مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ أي مسرعين إلى داع اللّه إلى ساحة الموقف وفصل

--> ( 1 ) إنها بالنسبة لما مضى من أيام الدنيا لقريبة جدا إذ أكثر عمر الدنيا قد انقضى ، خطب يوما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال ( ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى ) وما نرى من الشمس إلا يسيرا . ( 2 ) مُسْتَمِرٌّ : يكون بمعنى ذاهب من قولهم مرّ الشيء واستمر : إذا ذهب ويكون بمعنى محكم قوي شديد مأخوذ من المرة وهي القوة ، وكونه مستمرا نافذا أولى بالمعنى . ( 3 ) وجائز أن يكون مُسْتَقِرٌّ في أم الكتاب : كائن لا محالة أو أن أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى استقرار بانتصاره على الباطل وأهله فيكون في الخبر بشرى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 4 ) أصل : مُزْدَجَرٌ مزتجر من زجرته فانزجر فقلبت التاء دالا لتقارب مخرجي التاء والدال ، أي : جاءهم من الأخبار الواعظة ما يزجرهم عن الكفر ، لو قبلوه واتعظوا به . ( 5 ) أي : جاءهم من مواعظ القرآن وزواجره ما هو حكمة بالغة إلى المقصود مفيدة لصاحبها . ( 6 ) جائز أن تكون فَما نافية أي : لا تغني النذر شيئا عمن تلك حاله ، وجائز أن تكون استفهامية أي : أي شيء تغني النذر مع الإصرار على الكفر والتوغل في الباطل ، والاستفهام للنفي أيضا . ( 7 ) نُكُرٍ ما تنكره النفوس وتكرهه ، ونكر : وزنه نادر نحو أنف : بمعنى جديد .