أبي بكر جابر الجزائري
192
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ : أي وما يتبعون الا ما تهواه نفوسهم وما تميل إليه شهواتهم . أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى : أي بل الإنسان ما تمنّى والجواب لا ليس له كل ما يتمنى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى : أي إن الآخرة والأولى كلاهما للّه يهب منهما ما يشاء لمن يشاء . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ : أي وكثير من الملائكة في السماوات . لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً : أي لو أرادوا أن يشفعوا لأحد حتى يكون اللّه قد أذن لهم ورضى للمسموح له بالشفاعة . معنى الآيات : بعد أن ذكر تعالى مظاهر قدرته وعظمته وعلمه وحكمته في الملكوت الأعلى جبريل وسدرة المنتهى وما غشاها من نور اللّه وما أرى رسوله من الآيات الكبرى ، خاطب المشركين بقوله أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ « 1 » وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى أي أعميتم فرأيتم هذه الأصنام أهلا لأن تسوّى بمن له ملكوت السماوات والأرض وعبدتموها معه على حقارتها ودناءتها ، وازددتم عمى فاشتقتتم لها من أسماء اللّه تعالى أسماء فمن العزيز اشتققتم العزى ومن اللّه اشتققتم اللات ، وجعلتموها بنات للّه افتراء على اللّه بزعمكم أنها تشفع لكم عند اللّه . أخبروني أَ لَكُمُ الذَّكَرُ « 2 » لأنكم تحبون الذكران وترضون بهم لأنفسكم ، وَلَهُ الْأُنْثى لأنكم تكرهونها ولا ترضون بها لأنفسكم ، إذا كان الأمر على ما رأيتم فإنها قِسْمَةٌ ضِيزى « 3 » أي جائرة غير عادلة وناقصة غير تامة فكيف ترضونها لمن عبدتم الأصنام من أجل التوسل بها إليه ليقضى حوائجكم ؟ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ . إن أصنامكم أيها المشركون لا تعدو كونها أسماء لآلهة لا وجود لها ولا حقيقة في عالم الواقع إذ لا إله إلا اللّه ، أما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فلم تكن آلهة تحيى وتميت وتعطى وتمنع وتضر وتنفع . إن هي أي ما هي إلا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ
--> ( 1 ) انتقل الكلام من تقرير النبوة المحمدية إلى تقرير الإلهية الربانية ، واللات أصله : لات فأدخلوا عليه ال فصار اللات ، وهي صنم لثقيف كانت قريش والعرب يعبدونه ، وقيل : هو وصف لرجل كان يلت السوق للحجاج ثم صنع له صنم تمثالا وألهته ثقيف وقريش وجمهور العرب والعزى اسم مشتق من العز وهي فعلى ككبرى : صنم عليه بناء كان بوادي نخلة فوق ( ذات عرق ) ميقات أهل العراق قريبا من الطائف ومناة : صنم كان لخزاعة كان بالمشلل حذو قديد بين مكة والمدينة وكان الأوس والخزرج يهلون منه ويطوفون به كالسعي بين الصفا والمروة . ( 2 ) تقديم الجار والمجرور في أَ لَكُمُ الذَّكَرُ للاهتمام بالاختصاص . ( 3 ) ضِيزى اسم كدفلي وشعري ، وهو مشتق من ضاز يضيز ضيزا : إذا ظلم وتعدى وبخس وانتقص . قال الشاعر : ضازت بنو أسد بحكمهم * إذ يجعلون الرأس كالذنب