أبي بكر جابر الجزائري

90

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

قال تعالى : وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أي مدينة سدوم وأهلها سكانها من اللوطيين ، وقوله يَسْتَبْشِرُونَ أي فرحين مسرورين لطمعهم في اتيان الفاحشة . فقال لهم لوط ما أخبر اللّه تعالى به : قالَ إِنَّ هؤُلاءِ يشير إلى الملائكة ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ أي فيه أي بطلبكم الفاحشة ، وَاتَّقُوا اللَّهَ أي خافوه وَلا تُخْزُونِ أي تهينوني وتذلوني . فأجابوا بما أخبر تعالى به عنهم : قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ أي أتقول ما تقول ولم تذكر أنا نهيناك عن استضافة أحد من الناس أو تجيره ، فأجابهم لوط عليه السّلام بما أخبر تعالى به عنه : قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي هؤلاء بناتي فتزوجوهن إن كنتم فاعلين ما آمركم به أو أرشدكم إليه . وقوله تعالى : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ « 1 » لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ أي وحياتك يا رسولنا ، إنهم أي قوم لوط لَفِي سَكْرَتِهِمْ غوايتهم التي أذهبت عقولهم فهبطوا إلى درك أسفل من درك الحيوان ، يَعْمَهُونَ أي حيارى يترددون . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ أي صيحة جبريل عليه السّلام مشرقين مع إشراق الشمس . وقوله تعالى فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها أي جعلنا عالي المدن سافلها وهو قلبها ظهرا على بطن ، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ فوق ذلك حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ أي من طين مطبوخ بالنار . . وقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ « 2 » أي إن في ذلك المذكور من تدمير مدن كاملة بما فيها لآيات وعبر وعظات للمتوسمين أي الناظرين نظر تفكر وتأمل لمعرفة الأشياء بسماتها وعلاماتها . وقوله تعالى : وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أي وإن تلك القرى الهالكة لبطريق ثابت باق يمر به أهل مكة في أسفارهم إلى الشام . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي لعبرة للمؤمنين فلا يقدمون على محارم اللّه ، ولا يرتكبون معاصيه . وقوله تعالى : وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ . هذه إشارة خاطفة إلى قصة شعيب عليه السّلام مع قومه أصحاب الأيكة ، والأيكة الغيضة من الشجر الملتف . . وكانت منازلهم

--> ( 1 ) هذا الإقسام بحياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تشريفا له ، وأصل عمرك بضم العين وفتحت لكثرة الاستعمال ، وجائز أن يكون القسم بحياة لوط أيضا ، وليس لأحد أن يجيز القسم بغير اللّه محتجا بهذا القسم الإلهي فإنّ اللّه تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ، فقد أقسم بالشمس وضحاها ، وأقسم بالسماء والليل وغيرها من مخلوقاته ولا اعتراض عليه وأما العباد فقد أعلن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن حرمة الحلف بغير اللّه فقد قال : ( من حلف بغير اللّه فقد أشرك ) رواه الترمذي . ( 2 ) روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسر المتوسمين بالمتفرسين إذ قال : ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه ثم قرأ : إنّ في ذلك لآيات للمتوسمين ) رواه الترمذي واستغربه ، وقيل : للناظرين كما قال الشاعر : أو كلما وردت عكاظ قبلية * بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم وأصل التوسم : النظر بتثبّت وتفكر وعليه فما ورد في التوسم من النظر والتفرس كله متقارب المعنى .