أبي بكر جابر الجزائري
651
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
معنى الآيات : قوله تعالى قالُوا لا ضَيْرَ « 1 » هذا قول السحرة لفرعون بعد أن هددهم وتوعدهم قالُوا لا ضَيْرَ أي لا ضرر علينا بتقطيعك أيدينا وأرجلنا وتصليبك إيانا إِنَّا إِلى « 2 » رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي راجعون إن كل الذي تفعله معنا إنك تعجل برجوعنا إلى ربنا وذاك أحب شيء إلينا . وقالوا إِنَّا نَطْمَعُ « 3 » أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أي ذنوبنا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ في هذه البلاد برب العالمين رب موسى وهارون . بعد هذا الانتصار العظيم الذي تم لموسى وهارون أوحى تعالى إلى موسى أَنْ أَسْرِ « 4 » بِعِبادِي أي امش بهم ليلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ أي من قبل فرعون وجنوده . وعلم فرعون بعزم موسى على الخروج ببني إسرائيل فأرسل في المدائن « 5 » وكانت له مآت المدن حاشرين من الرجال أي جامعين وكأنها تعبئة عامة . يقولون محرضين إِنَّ « 6 » هؤُلاءِ أي موسى وبني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ أي طائفة أفرادها قليلون وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ أي « 7 » لفاعلون ما يغيظنا ويغضبنا وَإِنَّا أي حكومة وشعبا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي متيقظون مستعدون فهلم إلى ملاحقتهم وردهم إلى الطاعة . وعجل تعالى بالمسرة في هذا الخبر فقال تعالى فَأَخْرَجْناهُمْ أي آل فرعون مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ أي كنوز الذهب والفضة التي كانت مدفونة تحت التراب ، إذ الطمس كان على العملة فسدت وأما مخزون الذهب والفضة فما زال تحت الأرض ، إذ الكنز يطلق على المدفون تحت الأرض وإن كان شرعا هو الكنز ما لم تؤد زكاته سواء كان تحت الأرض أو فوقها . وقوله تعالى كَذلِكَ أي إخراجنا لهم كان كذلك ، وَأَوْرَثْناها « 8 » أي تلك النعم بني إسرائيل أي بعد هلاك فرعون وجنوده أجمعين . وقوله تعالى فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أي فاتبع آل فرعون بني إسرائيل أنفسهم في وقت شروق الشمس ليردوهم ويحولوا بينهم
--> ( 1 ) الضير : مرادف الضرّ يقال : ضاره يضيره بمعنى ضرّه يضره سواء . ( 2 ) الجملة تعليلية لنفيهم الضرر عليهم . ( 3 ) لفظ الطمع يطلق ويراد به الظنّ الضعيف غالبا ويراد به الظن القوي أيضا كقول إبراهيم عليه السّلام : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . ( 4 ) قرأ نافع أن أسر بهمزة وصل إذ هو من سرى يسري وحركت النون لالتقاء الساكنين . وقرأ عاصم : أَنْ أَسْرِ بسكون أن وقطع همزة أسر لأنّه من أسرى ، وأسرى وسرى بمعنى واحد . ( 5 ) المدائن جمع مدينة وهي البلد العظيم . ( 6 ) الإشارة بهؤلاء فيه إيماء بتحقير شأن بني إسرائيل ، والشرذمة الطائفة القليلة العدد . ( 7 ) الغيظ : أشدّ الغضب ، وغائظون : اسم فاعل من : غاظه بمعنى أغاظه أي : أغضبه أشدّ الغضب . ( 8 ) يرى بعضهم أن اللّه أورث بني إسرائيل نعما نظير ما كان لفرعون وقومه بدليل آية الدخان : وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ وبدليل أنّ بني إسرائيل ما رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها واللّه أعلم .