أبي بكر جابر الجزائري
613
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
بقوله كَذلِكَ « 1 » أي أنزلناه كذلك منجما ومفرقا لحكمة عالية وهي تقوية قلبك وتثبيته لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزول المطر دفعة واحدة . وقوله تعالى : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي أنزله مرتلا أي شيئا فشيئا ليتيسر حفظه وفهمه والعمل به . وقوله تعالى وَلا يَأْتُونَكَ « 2 » بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ « 3 » تَفْسِيراً هذا بيان الحكمة في نزول القرآن مفرقا لا جملة واحدة وهو أنهم كلما جاءوا بمثل أو عرض شبهة ينزل القرآن الكريم بإبطال دعواهم وتفنيد كذبهم ، وإلغاء شبهتهم ، وإحقاق الحق في ذلك وبأحسن تفسير لما اشتبه عليهم واضطربت نفوسهم فيه وقوله تعالى الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ « 4 » سَبِيلًا أي أولئك المنكرون للبعث المقترحون نزول القرآن جملة واحدة هم الذين يحشرون على وجوههم تسحبهم الملائكة على وجوههم إلى جهنم لأنهم مجرمون بالشرك والتكذيب والكفر والعناد . أولئك البعداء شر مكانا يوم القيامة ، وأضل سبيلا في الدنيا ، إذ مكانهم جهنم ، وسبيلهم الغواية والضلالة والعياذ باللّه من ذلك . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - شهادة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على من هجروا القرآن الكريم فلم يسمعوه ولم يتفهموه ولم يعملوا به ، وشكواه إياهم إلى اللّه عزّ وجل . 2 - بيان سنة اللّه في العباد وهي أنه ما من نبي ولا هاد ولا منذر إلا وله عدوّ من الناس وذلك لتعارض الحق مع الباطل ، فينجم عن ذلك عداء لازم من أهل الباطل لأهل الحق . 3 - بيان الحكمة في نزول القرآن منجما شيئا فشيئا مفرقا . 4 - بيان أن المجرمين يحشرون على وجوههم لا على أرجلهم إلى جهنم إهانة لهم وتعذيبا .
--> ( 1 ) جائز أن يكون كذلك من كلام المشركين : أي : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك أي : كالتوراة والإنجيل فيتم الوقف على كذلك ثم يبتدئ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وما في التفسير أولى . ( 2 ) هذا كقولهم : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وقولهم : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * وقولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ وقولهم إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً * وقولهم : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كل هذا الذي قالوه ردّ عليهم وأبطله بالحجج القوية فأسكتهم وأبطل دعاويهم . ( 3 ) أي : بما يقطع حجتهم ويلقمهم الحجر فلا يستطيعون الرد أو القول . ( 4 ) سَبِيلًا منصوب على التمييز المحول عن فاعل ، أي : ضلّت سبيلهم .